يعد التعليم أهم مصادر تعزيز التنافس الدولي، خاصة في مجتمع المعلومات، باعتبار أن التعليم هو مفتاح المرور لدخول عصر المعرفة وتطوير المجتمعات، من خلال تنمية حقيقية لرأس المال البشري الذي يمثل محور العملية التعليمية، بما يعني أن مجتمع واقتصاد المعرفة مرتبط بمفهوم مجتمع التعليم الذي يتيح كل شيء فيه فرصا للفرد ليتعلم كي يعرف ويعمل ويحقق ذاته ويتفاعل مع الأخرين. حيث يعد رأس المال البشري أحد أهم ميزات اقتصاد المعرفة في مواجهة التنافسية، ويدعم استخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة في قطاع الصناعات وقطاعات الخدمات، إضافة إلي دعم البرامج التعليمية وبرامج التدريب المكثف. ومصر حالياً لديها سوق عمل ضخم يمثل الشباب 60% منه، ولما كان العالم أجمع يهتم بالاستثمار في رأس المال البشري، لذلك لا يوجد أفضل من الاستثمار في الشباب المصري وقدرتهم على استخدام التكنولوجيا والتي أصبحت الرؤية المستقبلية لكل الاقتصادات.
إن التنمية العلمية والمعرفية والاقتصادية والبيئية المستدامة بالجامعات المصرية ضرورة حتمية لكي تستطيع منافسة الجامعات العالمية واللحاق بركب التقدم الحضاري ومواكبة عصر الرقمنة والتي لن تتحقق إلا باستخدام أدوات (الثورة الصناعية الرابعة)، التي تحتاج إلى التفكير الابتكاري والتميز والتطوير والاختراع وريادة الأعمال، وكل ذلك من أهم محاور بناء الانسان المصرى الحديث، وتحسين مخرجات قطاع التعليم العالي، لتضييق الفجوة بين مواصفات الخريج واحتياجات سوق العمل الذي يرتكز على التقنية والعلوم المتقدمة.
حيث أصبح العالم على عتبة عصر جديد تلعب فيه إجراءات حقن الاختراعات في الاقتصاد والإبداع في المجالات التكنولوجية، دوراً رئيسياً في زيادة سرعة إنتشار المعرفة وضخها للجميع ومن ثم النمو الاقتصادى، وفي هذا السياق بزغت مفاهيم الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية التي تشكل المعرفة جوهرها والقوة المحركة الرئيسية فيها، والتي تعتمد على توافر تكنولوجيات المعلومات والاتصال واستخدام الابتكار والرقمنة. وأصبحت القدرة على الإنتاج والتقدم تعتمد على القدرة على الإبداع والابتكار، وتحويل المعلومات إلى معرفة، ثم تحويل هذه المعرفة إلى منتج متميز، وأصبح للمعرفة دور كبير في توليد الثروة وزيادتها وتراكمها من خلال الإسهام في تحسين الأداء ورفع الإنتاجية وتخفيض كلفة الإنتاج مما أدى إلى ظهور اقتصاد المعرفة، الذي يتطور بسرعة وتترسخ مبادئه وتتوسع في مواجهة الاقتصاد التقليدي. وتتجدد فيه الحاجة على منتجاته المعرفية بشكل متصاعد إلي درجة تجزم باستحالة قيام نشاط ما بدون المعرفة.
وعلى العكس من الاقتصاد المبني على الإنتاج الذى يكون رأس المال فيه هو المورد الاستراتيجي وتلعب المعرفة دورا أقل، ويكون النمو مدفوعا بعوامل الإنتاج التقليدية، بينما تعتبر الموارد البشرية المؤهلة ذات المهارات العالية أو رأس المال البشري هي أكثر الأصول قيمة في الاقتصاد الجديد المبني على المعرفة، وتشكل فيه المعلومات المورد الأساسي، بل إنها المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية المكمل للموارد الطبيعية. حيث يقرن اقتصاد المعرفة بالمنتجات الذكية، فالابتكارات لايشترط أن تكون معقدة لتكون نافعة للناس ويكفي أن تلبي احتياجاتهم وتيسير سبل الحياه لهم وبما يحقق لهم السعاده والرفاهية وتوفير الوقت والجهد والمال.
وتتسم العمالة الماهرة في الاقتصاد الجديد بالمستوى التعليمي الرفيع وقدرتها على التكيف والتعلم السريع، وإرتفاع إنتاجيتها، وإلتقاط المعلومات وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام، إضافة إلى إتقان التعامل مع تقنية المعلومات وتطبيقاتها في مجال العمل، وإدارة العمل في بيئات العمل التقليدية أو الافتراضية، والارتباط الوثيق بمصادر المعرفة العالمية. ويدعم هذا الاقتصاد الدور المتنامي للابتكار والبحث العلمي، والتعليم المستمر الذى يشكل أساس زيادة الإنتاجية والتنافسية الاقتصادية، وتوفير المعرفة كسلعة عامة حيث إن طبيعة المعرفة تزداد مع الاستخدام ولا تنضب، ورأس المال المعرفي هو العنصر الأساسي المحدد للتنافسية، حيث تعتمد قدرة أي دولة على الاستفادة من اقتصاد المعرفة وتوليد الدخل على مدى سرعتها في التعلم واكتساب مهارات معرفية جديدة والتواصل مع المجتمع المعرفي العالمي. فالتقدم الحاصل في التكنولوجيا، والتغير السريع الذي تحدثه في الاقتصاد، يؤثران ليس في درجة النمو وسرعته فحسب، بل أيضاً في نوعية حياة الإنسان.
ويعتبر اقتصاد المعرفة أكثر قدرة على التغلب على المشاكل التي تسببها ندرة الموارد وأكثر فاعلية وتماشيا مع الواقع العالمي الجديد، حيث يتميز اقتصاد المعرفة بأنه يوفر حلولا للمشاكل التى تعاني منها اقتصادات معظم الدول اليوم وعلي رأسها مشكلة “الندرة”، ويتجه التحول الجوهري في أولويات الاستثمار نحو التركيز على العلوم والمعارف والبحث والتطوير لخلق منتجات جديدة.
ولأن الموارد يمكن أن تنضب من جراء الاستخدام والاستهلاك بينما تزداد المعرفة بالتعلم والممارسة والاستخدام، وكذلك فإنها تنتشر بالمشاركة وتبادل الخبرات. إن الاستثمار في المعرفة وتنمية القدرات يتميز بزيادة المردود بدلا من تناقصه، وهو ما جعل الاهتمام يتجه نحو مصادر جديدة للمنافسة لا ترتبط بكثافة رأس المال فحسب، بل بامتلاك المعارف والمعلومات والتكنولوجيات ومهارات التحكم بالتقنيات الحديثة، والاحتكام إلى أساليب متطورة ترتكز على الإبداع والابتكار والتجديد والمبادرة.
ويبلغ حجم صناعة المعلومات في العالم الآن ما يزيد عن ثلاثة تريليونات دولار، تمثل نصف الناتج القومي للدول الصناعية. وفي هذا السياق، توضح التقارير العالمية الحديثة أن لكل زيادة في استثمارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بنسبة 20%، تقابلها زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 1%، مما يؤكد قدرة هذا القطاع في تحقيق قفزة تنموية تشمل جميع القطاعات بمصر. وتقدر الأمم المتحدة أن اقتصادات المعرفة تستأثر الآن 7٪ من الناتج المحلي الاجمالي العالمي وتنمو بمعدل 10٪ سنويا. ومن المعروف أن ما يزيد عن 50٪ من نمو الإنتاجية في الصين هو نتيجة مباشرة لاستخدام وإنتاج تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
• ولتعظيم مساهمة الجامعات المصرية في الاقتصاد المعرفي نقترح الآتي:
– أن تبدأ الجامعات في دعم مبادرات جديدة تعمق دور الإبداع والابتكار والتميز وتبادل الخبرات في شتى المجالات، بما يحفز الطلاب لبذل قصارى جهدهم في تطوير مهاراتهم وقدراتهم ويشجعهم على الاتجاه إلى ريادة الأعمال، وإقامة المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، لتعزيز قيم الولاء والانتماء الوطني والتفاني في العمل وتحفيز الإبداع بين الطلاب وأعضاء هيئات التدريس على النحو الذي يُمكنهم من الإسهام الإيجابي الفعَّال في بناء مصر الحاضر والمستقبل.
– أن تعمل الجامعات علي تطوير البنية التحتية اللازمة للتدريب علي تكنولوجيا المعلومات وطرح البرامج التعليمية الحديثة المطلوبة لسوق العمل وتوفير معامل مزودة بأحدث أجهزة الكمبيوتر والواقع الافتراضي وماكينات الطباعة ثلاثية الأبعاد الحديثة، لتدريب الطلاب علي آخر ما توصل إليه العلم والتكنولوجيا الحديثة.
– أن تصبح الجامعات مجتمع مبدع ومنتج للعلوم والتكنولوجيا والمعارف، وتتميز بوجود نظام متكامل يضمن القيمة التنموية للابتكار والمعرفة، يقدم فرص للإبداع والإبتكار والتميز، ويربط تطبيقات المعرفة ومخرجات الابتكار بالأهداف والتحديات الوطنية، ويدبر مصادر تمويل مستدامة تغطي الحاجات المتزايدة في ظل التطوير المستمر.
– البدء في التحول ببرامج الجامعات لدعم اقتصاد المعرفة واستغلال كفاءات وخبرات ومهارات أعضاء هيئة تدريس بالجامعات، وخلق مصادر دخل جديدة للجامعات.
– استحداث مقررات دراسية اختيارية متعلقة بالذكاء الاصطناعي، والابتكار والابداع، وتعظيم دور اقتصاد المعرفة، وريادة الأعمال، والابتكارات، وكيفية استجلاب أو توليد الأفكار عبر ربط الاحتياجات المجتمعية بالتكنولوجيا، وكيفية استنباط أفكار تسهل سبل الحياة، وتحويلها لمشروعات ومنتجات كاملة للتسويق عبر مجموعة من الخطوات المدروسة للبرامج الاكاديمية بالجامعات، لمسايرة التقدم العالمي في مجال التعليم الجامعي وربط التعليم الجامعي بسوق العمل.
– تدريب طلاب الكليات والمعاهد الفنية والهندسية والتكنولوجية على خطوات الهندسة العكسية، وكيفية إعادة التصنيع للماكينات والأجهزة الحديثة المستوردة وتطويرها وتحديث القديمة منها.
– إنشاء حاضنات الأعمال المتخصصة ومكاتب لدعم الابتكار والاختراعات وتعمييم مكاتبها بالجامعات المصرية، وتيسير الحصول علي براءات الاختراع للطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمى ومشروع رواد 2030، لخلق جيل جديد من رواد الأعمال القادرين على توظيف معرفتهم العلمية فى إنشاء المشروعات، ضمن خطة عمل الشبكة القومية لحاضنات الأعمال.
– تنظيم المعارض والمسابقات المحلية بين الطلاب بالجامعات المختلفة لخلق بيئة تعليمية إبداعية تحفز خصائص الابتكار والابداع والتميز بينهم، وتصقل شخصيتهم وتعدهم لسوق العمل، إلي جانب توفير فرص للطلاب للمنافسة بالمسابقات العالمية للابتكار والابداع في شتي المجالات، وتوفير وسائل لعرض منتجاتهم وإبدعاتهم للشركات المهتمة وبما يسهم في تسويقها، للإسهام الفعَّال في تحقيق التنمية المستدامة وفقًا لرؤية مصر 2030.
أ.د. مجدي الحسيني عليوه
أستاذ العلاج الطبيعي
العميد السابق لكلية التربية الرياضية
بجامعة الزقازيق
باحث في التخطيط للتنمية








