كتب احمد عسله
في طرح إنساني يحمل أبعادا اجتماعية وطبية وقانونية دعا الأستاذ الدكتور محمود طه عميد كلية الطب بجامعة الزقازيق ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية إلى توسيع مظلة الرعاية والتأمين الصحي للأطفال بحيث لا يصبح الوضع التعليمي أو الظروف الأسرية أو غياب الأب عائقا أمام حصول الطفل على حقه في العلاج.
طرح الدكتور محمود طه رؤية بسيطة في عبارتها عميقة في مضمونها تتمثل في أن تكون شهادة الميلاد وحدها كافية لفتح الطريق أمام الطفل إلى الرعاية الصحية حتى بلوغه 18 عاما مؤكدا أن الطفل لا ينبغي أن يتحمل نتائج إهمال أو تقصير والده ولا أن يدفع ثمن ظروف أسرية لم يكن له أي ذنب فيها.
وقال في طرحه ان «التأمين الصحي للأطفال لا يشمل الأطفال المتسربين من التعليم ولا يشمل الأطفال اللقطاء أتمنى أن تمتد مظلة التأمين لتشمل الجميع بشهادة الميلاد فقط لا غير حتى سن 18 سنة لا يمكن أن يتحمل الطفل إهمال وجريمة الأب».
الطفل لا يختار أسرته فلماذا يدفع الثمن؟
السؤال الذي يضعه الدكتور محمود طه أمام المجتمع والدولة ليس سؤالا طبيا فقط وإنما سؤال إنساني قبل كل شيء
هل يعاقب الطفل على خطأ لم يرتكبه؟
فالطفل الذي خرج من المدرسة مبكرا لم يختر بالضرورة أن يترك التعليم والطفل الذي نشأ في ظروف أسرية صعبة لم يختر أسرته والطفل مجهول النسب لم يختر ظروف ميلاده.
وفي كل هذه الحالات يبقى هناك إنسان صغير لا ذنب له سوى أنه وجد نفسه في ظروف أقوى من قدرته على تغييرها.
ومن هنا تبدو فلسفة الطرح واضحة
لا تجعلوا الورق يحجب العلاج عن طفل ولا تجعلوا ظروف الأسرة تتحول إلى عقوبة على الصغير.
«بشهادة الميلاد فقط» تبسيط الطريق إلى العلاج
أقوى ما في رؤية عميد طب الزقازيق أنها لا تطالب فقط بمد مظلة الرعاية وإنما تطرح أيضا تبسيط الإجراءات.
فشهادة الميلاد هي الوثيقة التي تثبت وجود الطفل وهويته ومن ثم يمكن أن تكون نقطة البداية لفتح ملف صحي له بحيث يستطيع الوصول إلى الخدمة الطبية دون الدخول في متاهة المستندات والإثباتات التي قد تعجز الأسرة عن توفيرها.
وفي منظومة التأمين الصحي الشامل تعتمد إجراءات تسجيل الأطفال بالفعل على شهادات الميلاد المميكنة كما تنص الهيئة على آليات خاصة لتسجيل الأطفال مجهولي النسب المقيمين بدور الرعاية والأطفال المكفولين بالأسر البديلة.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم الذي يطرحه الدكتور محمود طه هو كيف نجعل الوصول إلى هذه الحماية أسهل وأسرع وأكثر شمولا لكل طفل خاصة الأكثر هشاشة؟ فالتعليم لا ينبغي أن يكون بوابة وحيدة لصحة الطفل
فالطفل طالب المدرسة يمكن الوصول إليه بسهولة من خلال المدرسة وملفه الدراسي، لكن ماذا عن الطفل الذي انقطع عن التعليم؟
هنا تظهر الفجوة التي يريد الدكتور محمود طه تسليط الضوء عليها.
فالطفل المتسرب من التعليم لا يتوقف عن كونه طفلا لمجرد أنه لم يعد يجلس على مقعد دراسي ولا يتوقف حقه في الكشف والعلاج والدواء والرعاية الوقائية لمجرد أن ظروفه أبعدته عن المدرسة فالمرض لا يسأل الطفل «أنت في مدرسة إيه؟» والحمى لا تسأل «فين إثبات القيد؟»والطوارئ لا تنتظر اكتمال الأوراق.
ولهذا فإن أي نظام صحي عادل يجب أن يبحث عن الطفل الأكثر احتياجا لا أن ينتظر وصوله إليه من خلال مؤسسة تعليمية أو أسرية.
وماذا عن الطفل مجهول النسب؟
أما الأطفال مجهولو النسب فهم من أكثر الفئات التي تستحق حماية مضاعفة لأنهم لم يختاروا ظروفهم ولا ينبغي أن تصبح تلك الظروف سببا في حرمانهم من أي حق أساسي.
واللافت أن هيئة التأمين الصحي الشامل لديها بالفعل إجراءات لتسجيل النزلاء المقيمين بدور الرعاية ومجهولي النسب وكذلك الأطفال المكفولين بنظام الأسر البديلة.
لكن روح طرح الدكتور محمود طه تذهب إلى ما هو أبعد من الإجراءات إنها تقول ببساطة اجعلوا الطفل هو محور النظام وليس الأوراق. ف«لا يمكن أن يتحمل الطفل إهمال وجريمة الأب» ربما تكون هذه الجملة هي مفتاح الطرح كله فالطفل لا يجب أن يتحمل تبعات إهمال الأب أو فقر الأسرة أو تفككها أو غياب أحد الوالدين أو أي ظرف اجتماعي آخر.
وإذا كانت الدولة تضع منظومة للحماية الاجتماعية فإن صحة الطفل يجب أن تكون في مقدمة هذه الحماية لأن العلاج في مرحلة الطفولة لا يتعلق فقط بمرض عابر وإنما قد يتعلق بمستقبل إنسان كامل.
طفل يحصل على العلاج في الوقت المناسب قد يكبر سليما وقادرا على التعليم والعمل والإنتاج.
وطفل يحرم من العلاج بسبب إجراء أو ورقة قد يحمل آثار ذلك الحرمان سنوات طويلة.
من «التأمين» إلى «حق أصيل»
والفكرة الأعمق في كلام الدكتور محمود طه هي إعادة تعريف علاقتنا بحق الطفل في العلاج فليس المطلوب أن ننظر إلى الطفل باعتباره تابعا لوالده أو حالته الاجتماعية أو الدراسية وإنما باعتباره مواطنا له حق أصيل في الرعاية الصحية.
ومن هذا المنطلق فإن شهادة الميلاد يمكن أن تكون مفتاحا لا يغلقه وضع اجتماعي ولا مستوى تعليمي ولا ظروف أسرية.
والتأمين الصحي الشامل نفسه يقوم على فلسفة توفير الخدمات الطبية للفئات المختلفة دون تمييز مع تحمل الدولة أعباء غير القادرين وفق النظام.
الدولة تحمي الطفل والمجتمع يكمل الرسالة
ولا تقف أهمية هذا الطرح عند حدود وزارة الصحة أو هيئة التأمين الصحي وإنما تمتد إلى الأسرة والمدرسة والجامعة والمستشفى والمجتمع المدني فحماية الطفل مسؤولية جماعية والطفل الذي لا يجد أبا يحميه يجب ألا يجد دولة غائبة عنه والطفل الذي حرمته ظروفه من التعليم يجب ألا تحرمه من العلاج والطفل الذي لا يعرف أبا أو أما يجب أن يعرف أن له وطنا يحميه.
وهنا يصبح دور المجتمع المدني أيضا مهما في دعم المؤسسات التي ترعى هؤلاء الأطفال وتوفير الخدمات الطبية والدوائية والتأهيلية لهم.
د.محمود طه طبيب قبل أن يكون عميدا يرى ما وراء غرفة الكشف
يأتي طرح الدكتور محمود طه متسقا مع طبيعة عمله كطبيب وأستاذ جامعي ومسؤول عن واحدة من كبرى المنظومات الطبية الجامعية.
فالطبيب لا يرى المرض فقط وإنما يرى أحيانا الظروف التي صنعت المرض.
ويرى طفلا جاء به أبوه وطفلا جاءت به أمه وطفلا لم يجد من يأتي به أصلا.
ومن هنا فإن حديثه عن التأمين الصحي للأطفال يحمل رسالة أكبر من مجرد تعديل إجراء
أن الرعاية الصحية الحقيقية تبدأ من الأكثر احتياجا وأن قوة الدولة تظهر في قدرتها على حماية من لا يستطيع حماية نفسه.
رسالة إلى صانع القرار اجعلوا شهادة الميلاد بابا لا حاجزا
ويبقى اقتراح عميد طب الزقازيق مطروحا للنقاش أمام الجهات المعنية
لماذا لا تكون شهادة الميلاد المميكنة هي المفتاح الموحد لملف صحي للطفل حتى سن 18 عاما مع استكمال أي إجراءات مالية أو تأمينية لاحقا بمعرفة الدولة دون أن يتحمل الطفل نتيجة غيابها؟
إنها فكرة تستحق الدراسة لأنها تنقل فلسفة التعامل من «هات أوراقك الأول» إلى «تعالى الأول.. وإحنا نحمي حقك».
فالطفل لا يملك أن يختار أباه ولا أن يختار أسرته ولا أن يختار ظروف ميلاده ولا أن يقرر أن يترك المدرسة لكنه يملك حقا واحدا لا ينبغي أن يختلف عليه اثنان أن يجد من يحمي صحته.
اؤكد ربما تكون أجمل خلاصة لطرح الدكتور محمود طه هى لا تعاقبوا طفلا على خطأ أبيه ولا تحاسبوه على فقر أسرته ولا تحرموه لأنه خرج من المدرسة ولا تتركوا مجهول النسب مجهول الحق.
فإذا كانت الدولة تستطيع أن تعرف الطفل من شهادة ميلاده فيجب أن تستطيع أيضا أن تحميه بها وهذه ليست منحة لطفل إنها حقه والله …








