كتب احمد عسله
في واحدة من تلك المناسبات التي تمتزج فيها فرحة الناس بنعمة الله وتتعانق فيها أصوات التكبير مع آيات القرآن الكريم وتتحول فيها الجهود البسيطة إلى إنجاز كبير يبقى أثره لسنوات طويلة تستعد عزبة الإصلاح الزراعي التابعة لقرية النخاس بمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، لاستقبال مناسبة دينية عزيزة على قلوب أهلها مع افتتاح مسجد الحاج عطية الصفتي يوم الجمعة بعد أن اكتمل بناؤه بالجهود الذاتية ليصبح بيتا جديدا من بيوت الله ومنارة للعباد وذكر الله وملتقى لأهالي العزبة والعزب المجاورة وأبناء قرية النخاس.
تأتي مناسبة الافتتاح في أجواء إيمانية خاصة حيث تقام أمسية دينية يشارك فيها عدد من أصحاب الأصوات المميزة والرموز المعروفة في مجال القرآن الكريم والابتهال والإعلام الديني بما يمنح المناسبة طابعا روحانيا يليق بافتتاح مسجد جديد ويجعل من الجمعة موعدا مع القرآن والذكر والكلمة الطيبة.
من المنتظر أن يقدم الأمسية الإذاعية المذيع الأستاذ خالد الزنفلي بما يمتلكه من خبرة في تقديم الفعاليات والبرامج ذات الطابع الديني فيما يتفضل المقرئ الشيخ صالح علي حسن بتلاوة آيات من الذكر الحكيم لتصدح جنبات المسجد بكلام الله بينما يشارك المبتهل الشيخ محمد عبد السلام الحسيني بمجموعة من الابتهالات والتواشيح الدينية التي تضفي على اللقاء أجواء من الصفاء والخشوع.
كما يلقي الكلمة خلال المناسبة الدكتور محمد إبراهيم حامد وكيل وزارة الأوقاف بالشرقية متناولا فضل عمارة بيوت الله ومكانة المسجد في حياة المجتمع ودور المساجد في نشر صحيح الدين وترسيخ القيم والأخلاق وبناء الإنسان في إطار الرسالة الدعوية التي تضطلع بها وزارة الأوقاف.
100 متر من البناء ومساحات من الرحمة
يقع المسجد على مساحة تبلغ نحو 100 متر مربع وقد تم تشييده بالكامل بالجهود الذاتية في صورة جديدة من صور التكافل الاجتماعي التي يبرهن من خلالها أهالي القرى والعزب المصرية على قدرتهم على تحويل المحبة والانتماء إلى مشروعات حقيقية تخدم الناس وتبقى للأجيال.
فالمسجد في الوعي المصري لم يكن يوما مجرد جدران وسقف ومئذنة وإنما كان دائما عنوانا للمحبة ومكانا يجتمع فيه الناس على الخير ومدرسة يتعلم فيها الصغير قبل الكبير وملاذا للقلوب التي تبحث عن السكينة.
من هنا تكتسب قصة مسجد الحاج عطية الصفتي خصوصيتها فقد جاء بناؤه ثمرة جهود ذاتية ليؤكد أهالي عزبة الإصلاح الزراعي أن العمل الأهلي عندما تتوافر له النية الصادقة وروح التعاون يستطيع أن يصنع الكثير وأن أعظم المشروعات هي تلك التي تبدأ بفكرة صغيرة في قلب إنسان ثم تتحول بتكاتف الناس إلى واقع يراه الجميع.
مسجد يحمل اسما ويحمل رسالة
يحمل المسجد اسم الحاج عطية الصفتي ليظل الاسم حاضرا بين جدرانه ولتكون كل صلاة تُقام فيه وكل آية تُتلى وكل سجدة تُرفع فيها الأكف إلى الله صفحة جديدة في سجل الأثر الطيب.
فالمساجد تبقى من أعظم صور الصدقة الجارية ويظل ثوابها ممتدا ما دام الناس يعمرونها بالصلاة والذكر وتلاوة القرآن وتعليم الخير.
من هنا فإن افتتاح المسجد لا يمثل نهاية رحلة البناء وإنما يمثل بداية رحلة أطول وأجمل رحلة تعمير المسجد بالمصلين وتعميق دوره في حياة الأهالي وتحويله إلى بيت مفتوح للخير والرحمة والتواصل بين أبناء المجتمع.
أمسية إذاعية والقرآن يتصدر المشهد
تشهد الاحتفالية برنامجا دينيا متنوعا يجمع بين التلاوة والابتهال والكلمة في مشهد يعيد إلى الأذهان أمسيات الزمن الجميل حين كانت المساجد في القرى المصرية تستقبل كبار القراء والمبتهلين فيجتمع الناس حول كتاب الله، وتخرج الأصوات من المآذن والجدران لتملأ البيوت والطرقات طمأنينة وسكينة.
تأتي مشاركة المقرئ الشيخ صالح علي حسن لتمنح الأمسية مذاقا خاصا بما تمثله تلاوة القرآن من افتتاح يليق ببيت من بيوت الله بينما يضيف المبتهل الشيخ محمد عبد السلام الحسيني مساحة أخرى من الروحانيات من خلال الابتهالات التي تخاطب الوجدان وتوقظ في النفوس معاني الحب والرجاء والرحمة.
أما تقديم الأمسية فيتولاه الأستاذ خالد الزنفلي لتكتمل عناصر اللقاء بين الصوت القرآني والابتهال والكلمة الدينية في احتفالية ينتظر أن تشهد حضورا واسعا من أبناء المنطقة.
وكيل أوقاف الشرقية كلمة من قلب المناسبة
تتجه الأنظار خلال الاحتفالية إلى كلمة الدكتور محمد إبراهيم حامد وكيل وزارة الأوقاف بالشرقية التي تأتي في مناسبة تحمل أكثر من رسالة أولها أن عمارة المساجد ليست مجرد بناء مادي وإنما هي عمارة للنفوس والعقول وثانيها أن المجتمع عندما يتعاون مع المؤسسات الرسمية يستطيع أن يحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع.
من المنتظر أن تتناول الكلمة أهمية المسجد باعتباره مركزا للعبادة والتوعية والإرشاد ودوره في نشر الوسطية والاعتدال وترسيخ القيم التي تجمع ولا تفرق وتبني ولا تهدم وتزرع الرحمة والمحبة بين أبناء المجتمع.
أهالي النخاس والعزب المجاورة على موعد مع الجمعة المباركة
تتحول عزبة الإصلاح الزراعي يوم الجمعة إلى نقطة تجمع لأبناء المنطقة حيث يشارك أهالي العزبة والعزب المجاورة وأهالي قرية النخاس في هذه المناسبة التي يعتبرونها عيدا صغيرا من أعيادهم بعدما أصبح بينهم مسجد جديد يضاف إلى بيوت الله التي تنير الطريق وتجمع الناس على كلمة سواء.
من أبرز الحضور المنتظرين الأستاذ السيد صالح رئيس إذاعة القرآن الكريم السابق والدكتور عبد الغفار عبد الستار عبد البديع
رئيس قسم الحديث بجامعة الأزهر وعمدة النخاس الأستاذ أدهم غيث الذي يشارك الأهالي فرحتهم بهذه المناسبة إلى جانب عدد من الشخصيات العامة والمجتمعية وأبناء المنطقة ومحبي القرآن الكريم.
يعكس هذا الحضور المتنوع أهمية المسجد بالنسبة إلى المجتمع المحلي باعتباره مشروعا يخص الجميع وأن افتتاحه مناسبة لا تخص من شارك في البناء وحده وإنما تخص كل إنسان سيضع قدمه داخله وكل طفل سيتعلم فيه وكل شيخ سيصلي بين جنباته وكل أسرة ستجد فيه مكانا للسكينة والطمأنينة.
الجهود الذاتية حكاية مصر التي لا تنتهي
ولعل أجمل ما في قصة المسجد أن وراءه كلمة كثيرا ما صنعت المستحيل في القرى المصرية ( الجهود الذاتية)
ففي الوقت الذي تحتاج فيه بعض المشروعات إلى سنوات طويلة حتى ترى النور يستطيع أهل قرية أو عزبة عندما تتجمع إرادتهم أن يضعوا حجرا فوق حجر وأن يحولوا حلما إلى حقيقة.
وهكذا كان مسجد الحاج عطية الصفتي مساحة ليست ضخمة في الأرقام لكنها كبيرة في معناها لأن قيمة المسجد لا تقاس فقط بعدد الأمتار وإنما بعدد القلوب التي ستسكن إليه وعدد المصلين الذين سيقفون فيه بين يدي الله وعدد الأطفال الذين ستتعلق قلوبهم ببيت الله منذ نعومة أظفارهم.
منارة للعبادة وبيت مفتوح لكل الناس
من المنتظر أن يمثل المسجد إضافة مهمة لأهالي عزبة الإصلاح الزراعي بما يوفره من مكان مناسب لأداء الصلوات وإقامة الشعائر الدينية ويعزز من حضور المسجد في الحياة اليومية لأبناء المنطقة.
فالمسجد ليس مكانا للصلاة فقط وإنما مساحة للقاء الإنساني ومكان يجد فيه الناس بعضهم بعضا ويتبادلون التهاني في الأفراح والمواساة في الأحزان ويجتمعون على الخير في المناسبات الدينية والاجتماعية.
من هنا فإن كل مسجد جديد في قرية أو عزبة هو نافذة جديدة للنور وكل محراب يُبنى هو دعوة مفتوحة للقلوب كي تعود إلى الله وكل مئذنة ترتفع هي رسالة بأن الخير لا يزال حاضرا في هذا الوطن.
الحاج عطية الصفتي اسم يبقى في ذاكرة المكان
ومع افتتاح المسجد يبقى اسم الحاج عطية الصفتي حاضرا في وجدان أبناء المنطقة مرتبطا بهذا الصرح الذي سيشهد على مدار الأيام والسنوات القادمة صلاة المصلين وقراءة القرآن وصلاة التراويح، والتهجد والدروس الدينية، والاحتفالات والمناسبات المختلفة.
وهي صورة من صور الوفاء التي عرفها المجتمع المصري عبر تاريخه أن يخلد أبناء المكان أسماء من أحبوا الخير وأن تتحول الأسماء إلى أعمال، والأعمال إلى أثر، والأثر إلى ذكرى لا تموت.
الجمعة موعد مع النور
يأتي اختيار يوم الجمعة لافتتاح المسجد ليمنح المناسبة خصوصية أكبر فالجمعة في وجدان المسلمين يوم تتعلق فيه القلوب بالمساجد وتتعطر فيه الطرقات بخطى المصلين وتتسع فيه مساحة الدعاء والذكر، ويجتمع الناس على الطاعة والمودة.
وفي عزبة الإصلاح الزراعي ستكون الجمعة هذه المرة مختلفة فهناك بيت جديد من بيوت الله يفتح أبوابه وأصوات القرآن ستعلو في أرجائه والابتهالات ستملأ المكان والكلمة الدينية ستصل إلى القلوب بينما يلتقي الأهالي حول مناسبة تحمل في ظاهرها افتتاح مسجد وفي جوهرها احتفالا بقيمة الخير نفسها.
حين تتكاتف الأيدي يصبح الحلم مسجدا
إن قصة مسجد الحاج عطية الصفتي تقدم نموذجا بسيطا وعميقا في الوقت نفسه لما يمكن أن يفعله المجتمع عندما تتوحد النيات.
فما بدأ بفكرة انتهى إلى مسجد وما كان أمنية أصبح واقعا وما جمعته الأيدي في البناء ستجمعه القلوب في الصلاة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للجهود الذاتية فهي لا تبني الحجر وحده وإنما تبني في الوقت نفسه روح المشاركة والانتماء والشعور بالمسؤولية.
وإذا كان المسجد قد اكتمل بناؤه فإن رسالته الحقيقية تبدأ من يوم افتتاحه عندما يدخل أول مصلٍ ويُرفع أول أذان وتُقام أول صلاة وتصدح أول تلاوة ويقف الناس جميعا في صف واحد كالبنيان المرصوص فلا فرق بين كبير وصغير ولا بين غني وفقير وإنما الجميع أمام الله سواء.
رسالة من عزبة الإصلاح الزراعي إلى كل قرية
ومن عزبة الإصلاح الزراعي بالنخاس تأتي رسالة شديدة البساطة وعميقة المعنى الخير ما زال بين الناس والقلوب ما زالت قادرة على العطاء وبيوت الله ما زالت تجد من يعمرها ويخدمها ويحرص على أن تظل منارات للنور والرحمة.
فالمسجد الذي يفتتح بالجهود الذاتية ليس مجرد إنجاز عمراني جديد وإنما شاهد حي على أن المجتمع المصري لا يزال يمتلك رصيدا هائلا من المحبة والتكافل وأن أبناء القرى والعزب قادرون على صناعة الخير عندما تتوافر الإرادة والإخلاص.
من المنتظر أن تظل مناسبة افتتاح مسجد الحاج عطية الصفتي عالقة في ذاكرة أبناء المنطقة لا باعتبارها يوما شهد افتتاح مسجد جديد فحسب وإنما باعتبارها يوما اجتمع فيه الناس على القرآن والتقت فيه القلوب على الخير وتعانقت فيه الأصوات بالدعاء والابتهال وارتفع فيه شعار واحد هنا بيت من بيوت الله.. وهنا يبدأ الخير.
فهنيئًا لأهالي عزبة الإصلاح الزراعي هذا البيت المبارك وهنيئا لكل من ساهم في بنائه وهنيئا لمن سجد فيه وهنيئا لمن قرأ فيه آية وهنيئا لمن كان له فيه أثر.
فالبيوت تُبنى بالحجارة أما بيوت الله فتُبنى أولا بالقلوب.
خالد الصفتي وفاء الابن يتحول إلى أثر باقٍ
وفي قلب هذه الحكاية يقف الأستاذ خالد الصفتي مدير عام بشركة دولفى ونجل الحاج عطية الصفتي الذي كان حاضرا في كل تفاصيل هذا العمل منذ بدايته وتولى الإشراف والمتابعة على أعمال إنشاء وتجهيز المسجد وحرص على أن يخرج الصرح بالصورة التي تليق باسم والده وبالمكانة التي يحتلها بيت الله في نفوس أبناء المنطقة.
كما وجه الدعوة إلى أهالي العزبة والقرى المجاورة والشخصيات العامة والقيادات الدينية والمجتمعية للمشاركة في هذه المناسبة المباركة مؤكدا أن فرحة افتتاح المسجد لا تكتمل إلا بمشاركة أهل المكان وكل من جمعته بالحاج عطية الصفتي محبة أو معرفة أو عشرة طيبة.
ولم يتعامل خالد الصفتي مع بناء المسجد باعتباره مشروعا إنشائيا فحسب وإنما باعتباره رسالة وفاء لوالده وأثرا طيبا يحمل اسمه ويظل مفتوحا للناس وللعبادة والخير فكان يتابع تفاصيل البناء والتجهيز بنفسه ويحرص على أن يكتمل كل شيء بالصورة اللائقة حتى جاء يوم الافتتاح الذي ينتظره أهالي عزبة الإصلاح الزراعي والنخاس.
وهكذا يكتب الابن لوالده صفحة جديدة من صفحات البر ويضع أمام الأجيال نموذجا بليغا لمعنى أن يتحول حب الأب والوفاء لذكراه إلى عمل ينتفع به الناس، ويبقى أثره قائما ما بقي في المسجد مصلٍّ يركع أو قارئ يتلو أو قلب يرفع يديه إلى الله بالدعاء.
فما أجمل أن يرحل الإنسان ويبقى اسمه في مكانٍ تُرفع فيه الصلوات وما أكرم أن يكون الوفاء للأب مسجدا وأن يكون الحب صدقة جارية وأن تتحول الذكرى إلى بيت من بيوت الله.








