كتب احمد عسله
طرح الأستاذ الدكتور محمود طه رؤية تستحق التوقف أمامها حين ألقى الضوء على بعض ملامح التجربة اليابانية في إعداد الأطباء ليس باعتبارها نموذجا يُنقل حرفيا من بلد إلى آخر وإنما باعتبارها تجربة جديرة بالدراسة والتأمل خصوصا ونحن نتحدث باستمرار عن مستقبل التعليم الطبي وأعداد كليات الطب وجودة الخريج والتدريب الإكلينيكي وقدرة المنظومة الصحية على استيعاب الأعداد الجديدة.
ووفق الأرقام التي استند إليها الدكتور محمود طه في طرحه فإن اليابان تضم نحو ٨٢ كلية طب بين حكومية وخاصة بينما يتراوح عدد الطلاب في الدفعة الواحدة تقريبا بين ١٠٠ و١٢٠ طالبا بما يعكس فلسفة تقوم على ضبط أعداد المقبولين وربطها بقدرة المؤسسات التعليمية والتدريبية على تقديم تعليم طبي حقيقي لا مجرد الحصول على شهادة.
والأهم أن الطريق إلى ممارسة الطب لا ينتهي بمجرد السنوات الدراسية فالتكوين الطبي في اليابان يقوم على ٦ سنوات من الدراسة يعقبها عامان من التدريب الإلزامي وهي نقطة شديدة الأهمية في أي نقاش جاد حول مستقبل الطبيب لأن الطبيب لا يُصنع في قاعات المحاضرات وحدها وإنما يتشكل أيضا داخل المستشفى وبين المرضى وتحت إشراف الكوادر الأكثر خبرة.
التعليم الطبي استثمار لا مصروف
ويشير الطرح إلى أن تكلفة الدراسة في كليات الطب الحكومية اليابانية تدور في حدود ٥ آلاف دولار سنويا بينما تتراوح في الكليات الخاصة بين نحو ١٠ و١٥ ألف دولار سنويا.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي لفهم التجربة فتكلفة التعليم الطبي لا ينبغي أن تُقاس فقط بما يدفعه الطالب، وإنما بما تنفقه الدولة والمجتمع على بناء كلية مجهزة ومستشفى جامعي قادر على التدريب ومعامل حديثة وأعضاء هيئة تدريس وفرص تدريب سريري حقيقية.
وهنا تظهر الفكرة الأهم الطب ليس تخصصا عاديا يمكن أن تتعامل معه المنظومة بمنطق الكم وحده لأن كل طالب طب يحتاج إلى معمل وحالة سريرية وطبيبا مدربا يشرف عليه ومستشفى يستطيع أن يمنحه فرصة حقيقية للتعلم.
الطبيب المقيم البداية التي تصنع المستقبل
ومن النقاط اللافتة في الطرح الياباني الإشارة إلى أن راتب الطبيب المقيم يصل إلى نحو ٢٦٠٠ دولار شهريا.
والرسالة هنا ليست تحويل الرقم إلى الجنيه المصري لأن المقارنة النقدية المباشرة بين بلدين تختلف فيهما تكاليف المعيشة والضرائب والسكن والخدمات قد تكون مضللة.
الأهم هو السؤال الذي يطرحه الرقم كيف ننظر إلى الطبيب في بداية حياته المهنية؟
هل نراه مجرد خريج جديد ينتظر دوره في طابور العمل؟ أم نراه استثمارا بشريا استغرق سنوات طويلة من التعليم والتدريب ويحتاج إلى بيئة مهنية تساعده على التعلم والاستمرار والتطور؟
فالطبيب الذي نريده غدا لا يُبنى فقط بالمناهج وإنما أيضا بظروف العمل والتدريب والتقدير والبحث العلمي والمسار المهني الواضح.
اليابان الدرس الأهم ليس في عدد الكليات
والأجمل في رؤية الدكتور محمود طه أنها لا تتوقف عند أرقام كليات الطب أو مصروفات الدراسة وإنما تفتح الباب أمام سؤال أكبر
ماذا نريد من منظومة التعليم الطبي؟
اليابان دولة ذات ظروف سكانية واقتصادية واجتماعية مختلفة ولذلك لا يمكن نسخ تجربتها كما هي كما أن القول إن النظام الصحي الياباني «أفضل» بصورة مطلقة من كل الأنظمة الأوروبية أو الأمريكية يحتاج إلى معايير ومؤشرات محددة حتى يكون حكمًا علميًا دقيقا.
لكن المؤكد أن التجربة اليابانية تضع أمامنا مجموعة من الأسئلة المهمة حول جودة التعليم الطبي وحجم الدفعات وقوة التدريب واستقلالية الطبيب وظروف عمله وكفاءة المستشفيات وربط التعليم باحتياجات المجتمع.
وفي قلب كل ذلك يقف الإنسان.
اليابانيون الذين حافظوا على انضباط مجتمعهم واحترامهم للعمل والانتماء إلى وطنهم لم يبنوا نهضة صحية بالمال وحده وإنما ببناء ثقافة ترى أن النظام مسؤولية مشتركة وأن احترام القانون جزء من احترام الوطن وأن الطبيب والمهندس والمعلم والعامل جميعهم حلقات في منظومة واحدة.
من اليابان إلى مصر. ماذا نتعلم؟
ربما لا يكون السؤال الصحيح كم كلية طب نريد؟ وإنما كم طبيبا نستطيع أن نُحسن تعليمه؟ وكم مستشفى جامعي نستطيع أن نُحسن تجهيزه؟ وكم حالة يستطيع طالب الطب أن يتدرب عليها بصورة صحيحة؟
وكم طبيبا يستطيع الأستاذ الجامعي أن يتابعه ويقيم مستواه؟ وكيف نضمن أن سنوات الدراسة والتدريب تخرج طبيبا قادرا على ممارسة مهنته بكفاءة ومسؤولية؟
هذه هي النقطة التي تجعل طرح الدكتور محمود طه جديرا بالنقاش لأنه ينقل الحديث عن الطب من حساب عدد الخريجين إلى صناعة الطبيب ومن سؤال «كم تخرج؟» إلى سؤال «ماذا تعلم؟ وكيف تدرب؟ وأين سيعمل؟ وكيف نحافظ عليه؟».
فالنهضة الصحية لا تُقاس بعدد كليات الطب وحده ولا بعدد الأطباء وحده وإنما بقدرة المنظومة كلها على تحويل الطالب إلى طبيب علم وطبيب مهارة وطبيب ضمير.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن أن نتعلمها من أي تجربة ناجحة
لا تبنِ مستشفى فقط ابنِ الطبيب الذي سيعمل فيه ولا تفتح كلية طب فقط.. افتح أمام الطالب طريقا حقيقيا إلى العلم والتدريب ولا تقيس نجاح المنظومة بعدد الخريجين بل بقدرة هؤلاء الخريجين على إنقاذ حياة إنسان.
ففي الطب تحديدا الجودة ليست رفاهية والعدد ليس وحده إنجازا والسنوات الدراسية ليست ضمانا للكفاءة وإنما الطبيب الجيد هو حصيلة تعليم جيد وتدريب جيد ونظام جيد ومجتمع يعرف قيمة من يحمل أرواح أبنائه بين يديه.








