تحقيق احمد عسله
ليست المشكلة دائما في غياب الأوراق ولا في انعدام المكاتبات ولا حتى في عدم وجود لجان تبحث الملفات؛ فقد تتعدد المستندات وتتكرر المراسلات وتنتقل الشكوى من مكتب إلى آخر بينما يظل السؤال الأساسي معلقا ما النتيجة النهائية التي انتهت إليها الجهات المختصة وما الأساس القانوني والمحاسبي الذي استندت إليه؟
هذه هي الزاوية التي نفتحها في هذا التحقيق من سلسلة التحقيقات الصحفية الخاصة بمطالبات العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف فبعد استعراض جوانب من قرارات النقل والاشتراكات والمزايا التأمينية والتسويات المالية يصبح من الضروري الانتقال من عرض المطالبات إلى البحث عن آلية مؤسسية واضحة تحسمها.
والقضية هنا ليست مطالبة بإصدار قرار مسبق لصالح طرف بعينه ولا افتراض أن جميع الأرقام المتداولة مستحقة بالضرورة وإنما المطالبة بأن تخضع الوقائع والمستندات لفحص جاد وأن يحصل كل صاحب مطالبة على إجابة مكتوبة ومسببة توضح ما ثبت له وما لم يثبت ولماذا.
السؤال الذي لا ينبغي أن يظل معلقا
يقول العاملون السابقون بالهيئة إن ملف حقوقهم المالية والتأمينية ظل موضع مطالبات ومراجعات على مدار سنوات وإنهم يسعون إلى الوصول إلى تسوية واضحة للمستحقات التي يرون أنها لم تُحتسب على الوجه الصحيح.
وفي المقابل فإن الفصل المهني في هذه المطالبات يتطلب أن تعرض الجهات المعنية موقفها استنادا إلى اللوائح المنظمة وكشوف الاشتراكات وقرارات النقل، وبيانات الصناديق، والتسويات التي أُجريت لكل حالة.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري إذا كانت الجهات المختصة قد تسلمت شكاوى ومكاتبات ومستندات تتعلق بهذا الملف فما الذي انتهت إليه المراجعة حتى الآن؟ وهل توجد نتيجة نهائية جامعة يمكن الرجوع إليها أم أن الأمر لا يزال موزعا بين ملفات إدارية ومالية وتأمينية تحتاج إلى التنسيق فيما بينها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال من شأنها أن تنقل القضية من دائرة الجدل إلى دائرة الحساب المحدد، وتمنح العاملين والجهات المعنية أساسا مشتركا لفهم حقيقة الموقف.
تعدد الجهات لا ينبغي أن يعني ضياع المسؤولية
من الطبيعي أن تتوزع الاختصاصات بين الجهات الإدارية والمالية والتأمينية وأن تحتاج بعض المسائل إلى رأي قانوني أو دراسة اكتوارية أو مراجعة حسابية متخصصة. لكن تعدد الاختصاصات لا ينبغي أن يحول دون تحديد الجهة المسؤولة عن تجميع النتائج وإعلان الموقف النهائي.
ولهذا فإن المطلوب هو تحديد مسار واضح للمراجعة يبدأ بحصر المطالبات ثم تصنيفها بحسب طبيعتها ومطابقة كل مطالبة بالمستندات المؤيدة لها وصولا إلى بيان مكتوب يوضح نتيجة الفحص.
ويجب أن يميز هذا المسار بين المسائل التي حُسمت بالفعل، والمسائل التي تحتاج إلى مستند إضافي، والمسائل التي تتطلب تفسيرًا قانونيًا، وتلك التي تستوجب إعادة احتساب مالي أو اكتواري.
وبهذه الطريقة، لا يصبح الملف مجرد مجموعة من الشكاوى المتكررة، بل قضية محددة العناصر، يمكن قياس ما أُنجز فيها وما تبقى منها، ومحاسبة كل جهة في حدود اختصاصها ومسؤوليتها.
لماذا نحتاج إلى مراجعة مستقلة ومعلنة الأسس؟
إذا كان الخلاف يدور حول طريقة احتساب بعض المزايا التأمينية أو تحديد الالتزامات التي ترتبت على نقل العاملين من الهيئة إلى شركات الكهرباء، فإن حسمه يتطلب أكثر من تبادل وجهات النظر.
فالمراجعة المطلوبة ينبغي أن تستند إلى المستندات الأصلية، وأن تقارن بين الاشتراكات المحصلة، ومساهمات الجهات المعنية، واللوائح والسياسات المنظمة للصناديق، والتعديلات التي طرأت عليها، وبيانات المستحقات عند انتهاء الخدمة.
كما ينبغي أن تتيح هذه المراجعة الفصل بين الحسابات العامة للصندوق وبين الاستحقاق الفردي لكل عامل؛ فوجود رصيد مالي في حساب ما لا يثبت وحده استحقاق مبلغ محدد لشخص بعينه، مثلما أن وجود خلاف حول طريقة الحساب لا يبرر تجاهل المطالبة قبل فحصها.
وإذا تبين أن المسألة تحتاج إلى دراسة اكتوارية، فينبغي تحديد نطاقها بوضوح، والبيانات التي ستُبنى عليها، والجهة المختصة بإعدادها، والنتيجة التي يُنتظر أن تقدمها؛ حتى لا تتحول الدراسة نفسها إلى حلقة جديدة في سلسلة الانتظار.
العاملون يريدون معرفة النتيجة.. لا مجرد معرفة أن الملف قيد البحث
إن من حق أصحاب المطالبات أن يعرفوا أين وصلت ملفاتهم، وما المستندات التي فُحصت، وما النقاط التي ما زالت محل خلاف، وما الخطوات المطلوبة لاستكمالها.
ولا يعني ذلك أن تكون كل المطالبات مقبولة تلقائيًا، أو أن تصدر نتيجة واحدة لجميع الحالات؛ فقد تختلف المراكز القانونية، ومدد الاشتراك، وتواريخ النقل، وأوضاع انتهاء الخدمة، واللوائح التي تنطبق على كل حالة.
لكن اختلاف الحالات لا يمنع وضع آلية موحدة للفحص، تتضمن معايير معلنة، ومواعيد إجرائية واضحة، وحق صاحب المطالبة في معرفة أسباب قبول طلبه أو رفضه، والجهة التي يمكنه الرجوع إليها إذا ظهرت مستندات جديدة أو احتاج إلى مراجعة النتيجة.
إن الوضوح في هذه المرحلة يحمي العاملين من الدوران بين الجهات، ويحمي المؤسسات في الوقت نفسه من تكرار الشكاوى والنزاعات التي يمكن أن تُحسم بإجابة دقيقة ومدعومة بالمستندات.
أسئلة مباشرة إلى الجهات المعنية
في ضوء المطالبات المطروحة، تظل هناك أسئلة تستحق إجابات رسمية محددة:
هل توجد لجنة أو جهة محددة تتولى حاليًا تجميع الملف المالي والتأميني للعاملين السابقين بهيئة كهربة الريف؟
هل أُنجز حصر شامل للمطالبات، مع بيان ما تم فحصه وما لا يزال يحتاج إلى مراجعة؟
هل جرت مطابقة الاشتراكات والالتزامات المالية مع اللوائح والقرارات المنظمة، وما نتائج هذه المطابقة؟
إذا كانت بعض المطالبات غير مستحقة، فما الأساس القانوني والحسابي الذي بُني عليه هذا الرأي؟
وإذا كانت هناك مطالبات تستحق إعادة الفحص، فما الجهة المسؤولة عن ذلك، وما الإطار الزمني المتوقع لإنجازه؟
وهل يمكن إعلان خلاصة رسمية للموقف، مع الحفاظ على البيانات الشخصية والمالية لكل عامل؟
هذه ليست أسئلة للإدانة، وإنما أسئلة للمساءلة الإدارية المشروعة، هدفها أن يصبح لكل مطالبة مسار معروف، ولكل نتيجة أساس يمكن مراجعته.
المطلوب نهاية واضحة لسنوات الانتظار
إن إنصاف العاملين لا يتحقق بالشعارات، كما أن حماية المال العام لا تتحقق بإغلاق الملفات دون فحص كافٍ. الطريق الصحيح هو مراجعة المستندات، وتطبيق القواعد المنظمة، وإعلان النتائج بأسبابها، وتنفيذ ما يثبت استحقاقه وفقًا للقانون.
وإذا كانت هناك اختلافات في تفسير اللوائح أو في تقدير المبالغ، فإن حسمها يجب أن يتم من خلال الجهات المختصة، وبالاستعانة بالخبرة القانونية والمحاسبية والاكتوارية كلما اقتضت الحاجة، لا من خلال التخمين أو تبادل الاتهامات.
لقد آن الأوان لأن تتحول المطالبات المتراكمة إلى ملف محدد العناصر، معلوم المسؤولية، واضح النتائج؛ ملف يعرف فيه العامل ما له وما عليه، وتعرف فيه المؤسسة حقيقة التزاماتها، ويطمئن فيه الجميع إلى أن القرار النهائي قام على مستندات وقواعد معلنة.
ويبقى السؤال الذي نضعه أمام الجهات المعنية: من يتولى جمع خيوط هذا الملف في نتيجة واحدة، واضحة ومسببة، تضع حدًا للخلاف وتحدد الحقوق والالتزامات على أساس القانون والمستندات؟
وتتواصل التحقيقات الصحفية لا بحثًا عن خصومة، وإنما عن إجابة تنهي الانتظار، وتضع الحقيقة أمام الجميع وتحفظ للعامل حقه إن ثبت وللمال العام حرمته في كل الأحوال فاننى لن اكل ولن امل الا بعد ان يحصل هؤلاء العاملين على مستحقاتهم التى سلبوها منهم عنوة …








