تحقيق احمد عسله
ليست كل الأرقام الكبيرة دليلا على وجود مخالفة وليست كل المطالبات المالية دليلا بذاتها على ضياع الأموال لكن الرقم الكبير حين يرتبط بتسويات مالية محددة وكشوف شيكات يقول أصحاب المطالبة إنها مقيدة في دفاتر وثيقة تأمين يصبح من حق الرأي العام أن يسأل ما حقيقة هذا الرقم؟ وما المستندات التي تؤيده؟ وأين ظهر في الحسابات؟ وما الجهة التي تولت مراجعته عند إعادة تنظيم هيئة كهربة الريف ونقل أصولها والتزاماتها؟
في هذا التحقيق من سلسلة التحقيقات الخاصة بحقوق العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف ننتقل إلى زاوية جديدة شديدة الأهمية؛ زاوية تتعلق بما يطرحه العاملون بشأن نسبة الـ25% من تسويات مشروعات كبار المشتركين، والتي يقولون إن قيمتها الإجمالية تبلغ خمسة مليارات جنيه وإنه كان يتعين إضافتها إلى حسابات وثيقة تأمين كهربة الريف قبل إقفال أرصدة الهيئة ونقل الحسابات إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر.
هذا الرقم وفقا للمذكرة التي وصلت إلينا ليس رقما مطروحا في الهواء إذ يقول أصحاب المطالبة إنهم سبق أن قدموا صورا من تسويات لمشروعات كبار المشتركين كما قدموا خمسة كشوف تتضمن أرقام شيكات يقولون إنها مثبتة بدفاتر الوثيقة، وإنهم يعيدون تقديم هذه المستندات إلى وزير الكهرباء ورئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر.
وهنا يجب أن نضع خطا فاصلا بين أمرين ما يقوله أصحاب المطالبة ويستندون فيه إلى مستندات يقولون إنها بحوزتهم، وما يمكن إثباته بعد فحص أصول تلك المستندات ومطابقتها بالسجلات المالية المعتمدة.
فإذا صحت البيانات الواردة في المذكرة ..وهى صحيحة.. فإننا أمام مسألة مالية تستحق مراجعة دقيقة ومحددة، لا إجابة عامة. وإذا أظهرت المراجعة أن المبلغ أو جزءًا منه قد أُدرج بالفعل في الحسابات أو سُوِّي وفق أساس قانوني ومحاسبي سليم، فينبغي إعلان ذلك وتوضيح طريقة التسوية. أما إذا كشفت المطابقة عن فروق أو مبالغ لم يتضح مسارها، فيجب تحديدها وتفسيرها واتخاذ الإجراءات التي يوجبها القانون.
السؤال المحوري إذن هل جرت مطابقة نسبة الـ25% التي يتحدث عنها العاملون مع حسابات وثيقة التأمين، ومع الحسابات النهائية للأصول والالتزامات عند إعادة تنظيم الهيئة؟
هذا هو السؤال الذي يستحق أن يبدأ منه الفحص.
أولا ماذا تقول المذكرة الجديدة؟
تتضمن المادة التي قدمها أصحاب المطالبة خطابًا موجهًا إلى وزير الكهرباء والطاقة، وإلى الدكتور المهندس أحمد مهينة، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر، بشأن ما يصفونه بضرورة إضافة نسبة الـ25%، التي يقدرون قيمتها بخمسة مليارات جنيه، إلى حسابات وثيقة تأمين كهربة الريف قبل إقفال أرصدة الهيئة وإضافتها إلى حسابات الشركة القابضة.
ويقول أصحاب المذكرة إن هذه النسبة ترتبط بتسويات مشروعات كبار المشتركين، وإنهم سبق أن أرسلوا صورًا من بعض التسويات التي يقولون إن نسبة الـ25% خُصمت منها، إلى جانب خمسة كشوف تتضمن أرقام شيكات يقولون إنها مقيدة بدفاتر الوثيقة.
كما يؤكدون أنهم أعادوا تقديم صور من هذه المستندات إلى الجهات المعنية، ويطلبون مراجعتها في ضوء القانون رقم 13 لسنة 2007 والقرارات الوزارية المرتبطة بمراحل نقل العاملين والحقوق والالتزامات.
ومن الناحية الصحفية فإن هذه التفاصيل ابتى وردت الينا مؤخرا تمنح التحقيق نقطة انطلاق محددة هناك مستندات يقول أصحاب المطالبة إنها موجودة وهناك رقم إجمالي يطالبون بمراجعته وهناك سؤال عن كيفية انعكاس هذه المبالغ على الحسابات عند نقل الأصول والالتزامات.
لكن تظل هناك أسئلة محاسبية لا بد من الإجابة عنها قبل الجزم بمصير المبلغ
هل تمثل الخمسة مليارات جنيه إجماليا تاريخيًا للتسويات، أم قيمة صافية مستحقة للوثيقة؟ وهل كانت نسبة الـ25% تُخصم بموجب قاعدة مكتوبة محددة؟ وما الفترة الزمنية التي تغطيها التسويات؟ وهل المبلغ المذكور يخص جميع المشروعات أم مجموعة منها؟ وهل الشيكات الواردة في الكشوف تمثل مبالغ صُرفت فعلًا، أم شيكات أُصدرت أو قُيدت أو سُويت بطرق مختلفة؟
هذه ليست أسئلة للتشكيك في أصحاب المطالبة، وإنما هي الأسئلة التي ينبغي أن يجيب عنها التحقيق المالي الجاد، حتى يتحول الرقم المتداول إلى قيمة محددة ذات أساس واضح يمكن مراجعتها.
ثانيًا خمسة مليارات جنيه كيف يُختبر الرقم؟
حين يتحدث أصحاب المطالبة عن خمسة مليارات جنيه، فإن أول واجب مهني هو عدم التعامل مع الرقم باعتباره مبلغًا ثبت أنه مفقود أو مستحق بالكامل قبل مراجعة الحسابات.
فالتحقق يحتاج إلى سلسلة مترابطة من الوثائق، تبدأ بالتسوية الأصلية لمشروعات كبار المشتركين، وتمر بطريقة احتساب نسبة الـ25%، ثم تنتقل إلى قيود اليومية والأستاذ العام والحسابات المساعدة، وصولًا إلى كشوف البنوك والشيكات والتسويات الختامية.
ومن الضروري أن تحدد المراجعة ما إذا كانت النسبة قد خُصمت من قيمة المشروعات بالفعل، وما الجهة التي خصمتها، ولحساب من قُيدت، وهل كانت مخصصة لوثيقة التأمين أم لحساب آخر، وما إذا كانت هناك تحويلات أو تسويات لاحقة.
كما يجب التحقق من عدم احتساب المبلغ نفسه أكثر من مرة، أو الخلط بين إجمالي التسويات وبين صافي المبالغ التي كان من المفترض توريدها إلى الوثيقة. فالفارق بين الرقم الإجمالي والمبلغ الصافي قد يكون جوهريًا، ولا يجوز تجاهله عند إصدار أي نتيجة.
وتحتاج المراجعة أيضا إلى بيان ما إذا كانت المبالغ قد أُدرجت في الحسابات النهائية للهيئة أو الشركة القابضة أو إحدى الشركات التابعة، وبأي مسمى محاسبي، وهل كان إدراجها متفقًا مع الغرض الذي خُصمت من أجله.
إن الرقم الذي لا يُربط بقيد محاسبي واضح يظل رقمًا يحتاج إلى تفسير. أما الرقم الذي يُربط بالتسوية والقيد والتحويل والتسوية النهائية، فيمكن عندها تحديد موقفه بدقة.
المطلوب ليس إعلان أن خمسة مليارات جنيه ضاعت، بل كشف ما إذا كانت هذه القيمة صحيحة، وما طبيعتها، وأين قُيدت، وما مصير كل جزء منها.
ثالثا التسويات وخمسة كشوف الشيكات.. بداية طريق الإثبات
يقول أصحاب المطالبة إن لديهم صور تسويات لمشروعات كبار المشتركين، إلى جانب خمسة كشوف بأرقام شيكات مثبتة بدفاتر وثيقة التأمين.
وهنا تتقدم المستندات من كونها مرفقات في شكوى إلى كونها مفاتيح يمكن أن تقود إلى مسار الأموال، بشرط أن تُراجع من مصادرها الأصلية.
فالشيك له بيانات يمكن التحقق منها: رقمه، وتاريخه، وقيمته، واسم المستفيد، والحساب المسحوب عليه، والغرض من إصداره، وما إذا كان قد صُرف أو أُلغي أو استُبدل أو أُجريت بشأنه تسوية لاحقة. كما أن قيده بدفتر ما لا يكفي وحده لإثبات وصول قيمته إلى الحساب المقصود؛ إذ يجب مطابقة القيد مع كشف البنك والمستند المؤيد للصرف أو التحصيل.
أما تسويات مشروعات كبار المشتركين، فينبغي فحصها للتأكد من أساس احتساب النسبة، والجهة التي أعدتها واعتمدتها، وكيفية إثباتها في الدفاتر، وما إذا كانت هناك مستندات لاحقة عدلت القيم أو أعادت توزيعها.
ولذلك فإن الخطوة العملية الأولى تتمثل في إعداد جدول مطابقة موحد، يتضمن لكل تسوية رقمها وتاريخها وقيمتها الإجمالية ونسبة الـ25% المحتسبة منها، وقيمة المبلغ الناتج، ورقم القيد المحاسبي، وبيان الشيك المرتبط به إن وجد، والحساب الذي أودعت فيه القيمة، والنتيجة النهائية للمطابقة.
ويجب أن تتولى هذه المهمة جهة مراجعة مختصة، مع تمكينها من الرجوع إلى الأصول والسجلات المصرفية والمحاسبية، لا الاكتفاء بصور منفصلة قد لا تكشف وحدها المسار الكامل.
فإذا تطابقت الأرقام، ظهرت الحقيقة. وإذا ظهرت فروق، أمكن تحديدها بدقة. وإذا تبين أن بعض المستندات لا يكفي لإثبات المبلغ، عُرف ما يلزم استكماله.
وهذه هي قيمة المستندات التي يقول أصحاب المطالبة إنهم قدموها: أنها تتيح الانتقال من النقاش العام إلى فحص يمكن أن تكون له نتيجة واضحة.
رابعا ماذا يقول القانون رقم 13 لسنة 2007 عن انتقال الحقوق والالتزامات؟
ينبغي أن تُقرأ المطالبة الجديدة في ضوء الإطار القانوني الذي أعاد تنظيم هيئة كهربة الريف.
فالنص المنشور للقانون رقم 13 لسنة 2007 يتضمن أحكامًا بشأن انتقال الأصول والحقوق والالتزامات إلى شركات نقل وتوزيع الكهرباء، كما ينظم انتقال العاملين والحفاظ على حقوقهم ومزاياهم وفق الضوابط الواردة فيه. وتتناول المادة الرابعة حلول الشركة القابضة محل الهيئة في الحقوق والالتزامات التي لم تُنقل إلى الشركات التابعة، فيما تتناول المادة الثامنة أوضاع العاملين المنقولين والحقوق والمزايا والصناديق الخاصة.
لكن تطبيق هذه الأحكام على مبلغ الـ25% لا يمكن أن يتم بمجرد الاستشهاد العام بالقانون؛ إذ يتعين تحديد طبيعة المبالغ محل المطالبة، والجهة التي كانت تملكها أو تديرها، وما إذا كانت تمثل حقًا للوثيقة أو التزامًا عليها أو رصيدًا ماليًا مخصصًا لغرض بعينه، وما النصوص والقرارات التي نظمت ذلك.
فانتقال الحقوق والالتزامات لا يعني أن كل مبلغ يظهر في مستند قد أصبح تلقائيًا حقًا مستحقًا للوثيقة، كما لا يعني أن نقل الأصول وإقفال الحسابات يُغنيان عن إثبات كيفية تسوية الأرصدة.
المطلوب هو ربط كل مبلغ بسنده القانوني والمحاسبي: لماذا خُصمت النسبة؟ ولأي غرض؟ ومن الجهة المستفيدة؟ وكيف عولجت عند نقل الأصول والالتزامات؟ وهل ظهرت في الحسابات الافتتاحية أو الختامية للجهات التي انتقلت إليها الأصول والحقوق؟
وهذه أسئلة يجب أن تجيب عنها المستندات والقيود المعتمدة، لا التفسيرات العامة للقانون وحدها.
خامسا وثيقة التأمين.. ما الذي قيل عنها عند نقلها؟
تكتسب المطالبة أهمية إضافية عند وضعها بجوار ما نُشر صحفيًا في عام 2012 بشأن نقل وثيقة تأمين مكافأة نهاية الخدمة للعاملين بهيئة كهربة الريف.
فقد نشرت تقارير صحفية آنذاك تصريحات منسوبة إلى مسؤولين بقطاع الكهرباء تفيد بالموافقة على نقل الوثيقة وما عليها من التزامات إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر، وتحدثت عن أقساط مرتبطة بالوثيقة وزيادات الأجور حتى خروج آخر عامل إلى المعاش، كما أشارت إلى أن الوثيقة كانت مرتبطة بميزة تعادل خمسين شهرًا من الأجر الشامل في حالات الإحالة إلى المعاش أو الوفاة أو العجز.
وهذه التصريحات المنشورة تمثل خلفية مهمة عند فحص المطالبة الحالية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن مبلغ الخمسة مليارات قد أُدرج في الوثيقة أو لم يُدرج، ولا تثبت بمفردها قيمة أي رصيد مستحق.
بل إنها تجعل السؤال أكثر تحديدًا: إذا كانت الوثيقة قد نُقلت إلى الشركة القابضة مع التزاماتها، فما المستندات التي تحدد الأرصدة التي انتقلت معها؟ وهل شملت هذه الأرصدة كل المبالغ التي يقول أصحاب المطالبة إنها كانت مخصصة للوثيقة؟ وهل تضمنت عملية النقل كشفًا تفصيليًا بالمبالغ والشيكات والتسويات ذات الصلة؟ وهل أُجريت مطابقة بين سجلات الهيئة وسجلات الشركة القابضة والوثيقة؟
وهنا لا بد من التمييز بين ما أُعلن في التصريحات الصحفية عن نقل الوثيقة والالتزامات، وبين ما يجب إثباته من واقع كشوف الحسابات ومحاضر التسليم والتسلم والقيود المحاسبية.
فالتصريح العام لا يحل محل كشف الرصيد، والحديث عن انتقال الالتزامات لا يغني عن التحقق من عناصرها، كما أن نقل الوثيقة لا يثبت وحده أن كل مبلغ يطالب به العاملون قد دخل بالفعل في حساباتها.
سادسا السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع بين إقفال الأرصدة ونقل الحسابات
تقول المذكرة إن نسبة الـ25% كان ينبغي إضافتها إلى حسابات وثيقة تأمين كهربة الريف قبل إقفال أرصدة الهيئة وإضافتها إلى حسابات الشركة القابضة.
وهذا الادعاء يضع أمام الجهات المعنية سؤالًا محاسبيًا مباشرا هل تضمنت إجراءات الإقفال والنقل كشفًا معتمدًا بجميع الأرصدة والحقوق والالتزامات ذات الصلة بالوثيقة، بما يسمح بتتبع المبالغ محل المطالبة من مصدرها حتى قيدها النهائي؟
وللإجابة عن ذلك، ينبغي الرجوع إلى محاضر لجان النقل والتسوية، وكشوف الأرصدة في تاريخ القطع المحاسبي، والحسابات الختامية للهيئة، والحسابات الافتتاحية للجهات التي انتقلت إليها الأصول والالتزامات، وأي تقارير مراجعة أو تحفظات تتعلق بهذه الأرصدة.
كما ينبغي تحديد ما إذا كانت نسبة الـ25% قد عولجت ضمن حسابات المشروعات، أو حسابات الوثيقة، أو الحسابات العامة للهيئة، أو أي حسابات أخرى. فإذا كانت قد ظهرت في حساب مختلف، وجب بيان الأساس الذي سمح بذلك، وما إذا كان هذا الأساس متفقًا مع طبيعة المبلغ والغرض الذي خُصم من أجله.
وإذا كانت هناك مبالغ لم تُدرج في كشف التسليم والتسلم، فيجب تحديدها وتفسير سبب عدم إدراجها، مع بيان ما إذا كان الأمر يتعلق بنقص في المستندات أو خلاف في التكييف المحاسبي أو تسوية لاحقة أو سبب آخر تثبته الوثائق.
أما إذا أظهرت الحسابات أن المبالغ أُدرجت بالفعل، فيجب بيان الحساب الذي قُيدت فيه وكيفية التعامل معها بعد ذلك، حتى لا يظل العاملون يطرحون السؤال نفسه من دون أن يجدوا إجابة قابلة للتحقق.
فإقفال حسابات جهة عامة أو إعادة تنظيمها لا ينبغي أن يكون نهاية القدرة على تتبع الحقوق والالتزامات؛ بل يفترض أن تكون المستندات التي صاحبت العملية كافية لتفسير الأرصدة التي انتقلت وما طرأ عليها.
سابعا هل هناك صلة بين هذا الملف ومطالبة العاملين باستمرار الاشتراكات؟
تتضمن المذكرة التي قدمها أصحاب المطالبة نقطة أخرى، إذ يقولون إن العاملين استمروا في سداد حصتهم البالغة 5%، وإن الشركة القابضة وشركاتها التابعة كان ينبغي أن تستمر في تحمل حصتها وفق ما يفهمونه من القانون والقرارات المنظمة للنقل، حتى خروج آخر عامل إلى المعاش أو الوفاة، أيهما أقرب.
وهذه المسألة ترتبط بملف الاشتراكات الذي تناولته تحقيقات سابقة، لكنها تختلف عنه في زاوية الفحص. فهناك سؤال عن الاشتراكات الدورية التي سددها العاملون والجهة التي تحملت حصة صاحب العمل، وهناك سؤال آخر عن نسبة الـ25% من تسويات مشروعات كبار المشتركين وما إذا كانت قد أُدرجت في حسابات الوثيقة.
ولا يجوز افتراض أن المسألتين تمثلان حسابًا واحدًا أو أن إحداهما تثبت الأخرى. فلكل منهما مستنداتها وأساسها المحاسبي والقانوني، وقد تكون هناك علاقة بينهما تستحق الفحص، لكن تحديد هذه العلاقة يحتاج إلى مراجعة اللوائح والقيود والتسويات الفعلية.
ولذلك ينبغي أن يتضمن تقرير المراجعة محورين منفصلين الأول يتناول الاشتراكات ومساهمات العاملين والجهة صاحبة العمل، والثاني يتناول المبالغ التي يقول أصحاب المطالبة إنها ناتجة عن نسبة الـ25% من تسويات مشروعات كبار المشتركين.
وبعد فحص كل محور على حدة، يمكن تحديد ما إذا كانت هناك علاقة محاسبية أو قانونية بينهما، وما أثرها في الرصيد النهائي للوثيقة.
ثامنا مقارنة العاملين المنقولين من النصر للإسكان.. ملف يحتاج إلى الوثائق نفسها
تستشهد المذكرة بما يقول أصحاب المطالبة إنه معاملة للعاملين المنقولين من شركة النصر للإسكان والتعمير إلى شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء، وتطرح سؤالًا عن مدى احتفاظهم بمزايا من الجهة الأصلية والجهة التي انتقلوا إليها.
وهذا المثال سبق أن ظهر في النقاش العام حول ملف العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف، لكن المقارنة العادلة تتطلب أكثر من مجرد الإشارة إلى أن موظفين انتقلوا بين جهتين.
فلا بد من الحصول على قرارات النقل، واللوائح التي كانت تحكم المزايا، والاتفاقات المعتمدة، وما يثبت طبيعة الاستحقاقات التي احتفظ بها العاملون أو حصلوا عليها بعد النقل، ثم مقارنة ذلك بالنصوص والقرارات التي تنطبق على العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف.
كما يجب التحقق من طبيعة كل ميزة، وهل هي مماثلة فعلًا للميزة التي يطالب بها العاملون، وهل كانت هناك موافقات أو ترتيبات خاصة، وما إذا كانت القواعد القانونية تسمح بالجمع بين المزايا في تلك الحالة.
فإذا ثبت تماثل المراكز القانونية واختلاف التطبيق، وجب فحص أسباب الاختلاف. أما إذا كشفت المستندات عن اختلاف جوهري في اللوائح أو شروط الاستحقاق، فيجب توضيحه بدلًا من افتراض أن النتيجة نفسها واجبة في جميع الحالات.
إن العدالة لا تتحقق بتكرار نتيجة حالة أخرى من دون فحص، وإنما بضمان تطبيق القواعد الصحيحة على كل حالة، وتفسير الفروق بأسباب موضوعية يمكن مراجعتها.
تاسعًا.. ماذا نطلب من وزير الكهرباء ورئيس الشركة القابضة؟
إن المادة التي قدمها أصحاب المطالبة تسمح بتوجيه مجموعة من الأسئلة العملية إلى وزارة الكهرباء والشركة القابضة لكهرباء مصر، في حدود الاختصاصات والمسؤوليات القانونية لكل جهة
أولا هل توجد لدى الجهات المعنية تسويات مشروعات كبار المشتركين التي يقول أصحاب المطالبة إنها تضمنت خصم نسبة الـ25%؟ وما الجهة التي تحتفظ بأصولها؟
ثانيا هل جرى التحقق من قيمة المبلغ الإجمالي الذي يقدره أصحاب المطالبة بخمسة مليارات جنيه؟ وما الأساس الحسابي الذي استندوا إليه؟ وهل تتفق القيمة مع السجلات المعتمدة؟
ثالثا هل توجد كشوف الشيكات الخمسة المشار إليها في المذكرة ضمن دفاتر الوثيقة أو السجلات المالية للهيئة أو الشركة القابضة؟ وما نتيجة مطابقتها بأرقام الشيكات وكشوف البنوك والقيود المحاسبية؟
رابعا هل أُدرجت المبالغ التي تتعلق بها هذه المستندات ضمن الحسابات الختامية للهيئة أو الحسابات الافتتاحية للجهات التي انتقلت إليها الأصول والالتزامات؟ وإذا أُدرجت، فما الحساب الذي ظهرت فيه؟
خامسا هل توجد محاضر أو تقارير معتمدة لتسليم وتسلم أرصدة الوثيقة، وما إذا كانت قد تضمنت المبالغ محل المطالبة؟
سادسا ما نتيجة مراجعة الالتزامات المرتبطة بوثيقة تأمين العاملين بعد نقلها إلى الشركة القابضة، وما المستندات التي تحدد الأرصدة التي انتقلت معها؟
سابعا هل أُجريت مراجعة مستقلة لهذه المبالغ من قبل الجهات المختصة أو المراجعين المعنيين؟ وإذا كانت قد أُجريت، فما خلاصة النتائج، وما إذا كانت هناك فروق أو تحفظات تحتاج إلى معالجة؟
ثامنا ما الإجراءات التي ستُتخذ لتمكين أصحاب المطالبة من معرفة نتيجة فحص مستنداتهم، مع الحفاظ على سرية البيانات المالية والشخصية التي لا يجوز نشرها؟
هذه الأسئلة لا تفترض أن المبلغ قد ضاع، ولا تعفي أي جهة من مسؤوليتها عن توضيح موقفها. إنها تطلب كشف المسار المالي للمبالغ، من لحظة نشأتها إلى القيد النهائي، حتى تكون الإجابة مبنية على الوثائق.
عاشرًا.. المطلوب مراجعة مستقلة لا مجرد تبادل للمكاتبات
إذا كانت المستندات التي يشير إليها أصحاب المطالبة موجودة في أكثر من جهة، فإن الحل لا يكمن في مطالبة العاملين بإعادة إرسالها مرة أخرى إلى كل إدارة، بل في تحديد جهة مختصة تتولى جمعها ومطابقتها بالسجلات الأصلية.
ويمكن أن تشمل المراجعة ممثلين عن الإدارة المالية والشؤون القانونية والجهات المسؤولة عن الوثيقة، مع الاستعانة بمراجع مستقل أو خبير محاسبي عند الحاجة، وفق القواعد المنظمة. ويجب أن يكون التكليف محددًا: حصر التسويات، والتحقق من نسبة الـ25%، ومطابقة الشيكات، وتتبع القيود، ومراجعة الأرصدة عند إقفال الحسابات ونقل الالتزامات.
وينبغي أن ينتهي العمل إلى تقرير يوضح، لكل مستند، ما الذي أمكن إثباته، وما الذي لم يتسنَّ إثباته، وما الفروق التي ظهرت، وما الأساس القانوني والمحاسبي الذي اعتمدته اللجنة في تفسيرها.
كما يجب أن يحدد التقرير ما إذا كانت هناك مبالغ مستحقة للوثيقة أو تسويات واجبة، أو ما إذا كانت الحسابات قد عولجت وفق قواعد معتمدة، أو ما إذا كانت هناك حاجة إلى استكمال مستندات قبل الوصول إلى نتيجة نهائية.
فالمراجعة المستقلة ليست إدانة مسبقة لأحد، كما أنها ليست إجراء شكليا لحفظ الأوراق؛ إنها وسيلة للوصول إلى حقيقة مالية يمكن الدفاع عنها أمام أصحاب المطالبات والجهات الرقابية والقضائية المختصة.
خمسة مليارات جنيه تستحق إجابة بالمستندات
يا أصحاب القرار، إن العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف لا يطلبون من الصحافة أن تحل محل المحاسب أو المراجع أو القاضي، ولا نملك نحن أن نحسم من تلقاء أنفسنا مصير مبلغ لم نفحص أصول قيوده ودفاتره.
لكننا نملك أن نضع أمام الرأي العام سؤالًا محددًا، ونطالب الجهات المختصة بالإجابة عنه من واقع السجلات.
هناك مذكرة تقول إن نسبة الـ25% من تسويات مشروعات كبار المشتركين تبلغ خمسة مليارات جنيه. وهناك تسويات وخمسة كشوف شيكات يقول أصحاب المطالبة إنهم قدموها لإثبات ما يطرحونه.
وهناك ملف سابق يتعلق بنقل وثيقة التأمين والتزاماتها، إلى جانب مطالبات العاملين بشأن الاشتراكات والمزايا التأمينية.
هذه العناصر لا تكفي وحدها لإعلان أن المبلغ مفقود أو أن حقًا محددًا قد ثبت نهائيًا، لكنها تكفي لتحديد مسار مراجعة واضح أين توجد التسويات الأصلية؟ أين قُيدت نسبة الـ25%؟ هل تتطابق الشيكات مع كشوف البنوك؟ وما الذي أظهرته الحسابات النهائية عند نقل الأصول والالتزامات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تتوه بين المكاتبات، ولا أن تتوقف عند القول إن الأرصدة أُغلقت أو إن الوثيقة نُقلت.
فالمطلوب هو بيان موثق يوضح كيف عولجت المبالغ التي تتناولها المستندات، وما إذا كانت قد أُدرجت في الحسابات المعنية، وما الذي انتهت إليه المراجعة.
وإذا أثبتت المستندات أن المبلغ أقل من الرقم المطروح، فيجب إعلان القيمة الصحيحة وأساسها. وإذا أثبتت أنه أُدرج في حسابات الوثيقة أو سُوي على نحو معتمد، فيجب بيان ذلك. وإذا كشفت عن فروق لم تُفسر، فيجب تحديدها وبيان الإجراءات اللازمة لمعالجتها وفق القانون.
لسنا أمام مطالبة بإدانة جهة، بل أمام مطالبة بكشف حساب. ولسنا أمام رقم ينبغي التسليم به أو رفضه، بل أمام مستندات يجب فحصها ومطابقتها.
فالعامل الذي ينتظر حقه منذ سنوات يستحق إجابة واضحة، والمؤسسة التي تدير المال العام تستحق أن تكون حساباتها موثقة ومفهومة، والرأي العام يستحق أن يعرف الحقيقة من مصادرها الأصلية.
وبعد كل تحقيقاتى السابقة تناولت جوانب متعددة من ملف العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف، تأتي هذه المادة لتفتح مسارًا ماليًا جديدًا، عنوانه نسبة الـ25% ومبلغ الخمسة مليارات الذي يطالب أصحاب المذكرة بمراجعته.
والرسالة إلى وزارة الكهرباء والشركة القابضة لكهرباء مصر واضحة: افحصوا التسويات، وطابقوا الشيكات، وراجعوا القيود والأرصدة، وأعلنوا النتيجة بأسبابها.
فإذا كانت الحسابات سليمة، فإن كشفها يضع حدًا للجدل. وإذا ظهرت فروق، فإن تحديدها هو أول الطريق إلى معالجتها. وفي الحالتين، فإن العاملين لا يحتاجون إلى وعد جديد بقدر ما يحتاجون إلى إجابة تستند إلى المستندات.








