لقد بات التحكم المستنير والمتبصر فى إدارة وهندسة بيئة التعلمات يشكل أحد أبرز جدارات المعلم ؛ فلم يعد من المقبول فى عصر التقنيات أن يقوم المعلم بكل المهام والأدوار التدريسية والإشرافية الموكلة إليه بنفسه كما كان سائدا فى كلاسيكيات العصر المنصرم؛ لاختلاف أدواره ومهامه عن ذى قبل فمن الأولى له بل الأجدر الحفاظ على كفاءته فى اتخاذ القرارات المهنية الصائبة التى تنعكس على المتعلمين داخل غرف الصف وخارجه.
فمشكلة الحيز الزمنى الضيق المخصص للحصة لا يسمح للمعلم بممارسة كافة الأنشطة والمهام المخطط لها بنفسه, بل إن الأمر يحتاج إلى القيادة الحكيمة والرؤية الاستباقية لإدارة بيئة الصف بكفاءة وفاعلية ؛ بحيث يهيىء المعلم جوا فى حجرة الدراسة يبعث على التعلم ويتصف بالمواءمة بين الإحساس بالحرية والإحساس بالأمن من قبل المتعلم، وهذا يتطلب مساعدة الطلاب وتوجيههم بشكل كبير لتحمل مسؤولية تعلمهم, مع إتاحة الفرص للتعبير عن الأفكار الشخصية الناقدة والتأكيد على الانفتاح ا لعقلى واستثارة الأنشطة الابتكارية المهمة والمحفزة للتفكير.
وهذا الأمر يتطلب مد أواصر الصلة والثقة بين المعلمين والمتعلمين على حد سواء بحيث تكون الصفوف مزارعا للفكر البشرى ونشر ثقافة الإبداع لا الإيداع فمن خلال علاقة الألفة مع الطلاب يقبلون على المشاركة فى الأعمال الفصلية بشكل تطوعى واختيارى غير إلزامى فى ضوء نظام محكم مرن توزع فيه الأدوار والمهام بكفاءة وفاعلية .
وحيث إن عملية التدريس فى ذاتها تتطلب من المعلمين جهدا واعيا فى مجال صنع القرارات التدريسية الصائبة فإن هذه القرارات بحاجة إلى مراجعة دائمة, مراجعة تنموية عاجلة وفورية لاتساق مسارات التدريس وتحقيق الأغراض التى تصبو إليها. ومن ثم فإن قرارات التدريس يمكن تصنيفها إلى أربعة أنواع بيانها كالتالى :
تحديد المنهج؛ وفيه يسأل المعلم نفسه سؤال جوهريا : أى من الأهداف يتوجب على الطلبة تحقيقها؟ أما النوع الثانى من القرارات فيتمثل فى تصميم التدريس؛ وفيه يحدد المعلم ويوصف بدقة نشاطات التدريس التى يجب أن يقوم بها من أجل أن يتمكن طلابه من تحقيق أهداف المنهج التى حددها من قبل. فى حين يتمحور القرار الثالث فى مراقبة التدريس؛ وفيه يسأل المعلم نفسه سؤالا مهما مفاده : هل أحتاج إلى إجراء تعديلات فى بيئة التدريس ؟ وإذا كان الأمر كذلك فما أبرز هذه التعديلات؟
فى حين يتمثل قرار التدريس الختامى فى تقويم التدريس ؛ بحيث يسأل المعلم نفسه سؤالا ملحا يتمثل فى : هل كانت نشاطاتى التدريسية فعالة ؟ وإن لم تكن كذلك فكيف أعدلها مستقبلا ؟
ولعل تحقيق هذه القرارات يستند إلى جملة من المبادىء والمرتكزات التربوية المهمة نشير إليها باختصار: فالمعلم المبدع هو الذى يتيح فرصة أكبر لطلابه للنمو والتطور من المعلم الكلاسيكى النمطى غير المبدع ، والمعلم المسيطر على الموقف التعليمى بالانضباط والوعى الذاتى يتسم طلابه بقلة الأسئلة مقارنة بالمعلم غير المسيطرعلى الموقف ، كما أن المعلم المنظم فى سلوكه يطلب من الطلاب الإجابة عن الأسئلة المطروحة بشكل أكبر من المعلم غير المنظم فى سلوكه ، والمعلم المنظم فى سلوكه يتيح فرصا أقل لطلابه للاستفسار والمبادأة فى الحديث قياسا بالمعلم غير المنظم فى سلوكه ، كما أن طلاب المعلم المتقبل لمشاعر طلابه يجعلهم يكونون اتجاهات إيجابية حول أنفسهم ومدارسهم بشكل أفضل مقارنة بالمعلم غير المتقبل لمشاعر طلابه.
وعليه فإن المعلمين الأكثر كفاءة فى التدريس هم الأكثر إبداعا وانتظاما فى سلوكاتهم من غيرهم وهم الأكثر سيطرة على المواقف التربوية مقارنة بنظرائهم ممن يفتقرون إلى هذه المهارة ، كما أن المعلمين المتقبلين لمشاعر طلابهم هم الأجدر كفاءة فى التدريس من غيرهم ممن تعوذه هذه المهارة .
لذا كانت الحاجة ماسة للتركيز على فلسفة تكوين المعلمين فلسفة تتبنى المقاربة بالكفاءات كضرورة للتمكين قبل التمهين ومزاولة المهنة. مع ضرورة التخلى عن نموذج بيداغوجيا الأهداف الذى لم يعد من المقبول الاعتماد عليه للوصول إلى تعليم ينسجم والمتطلبات الحداثية المعاصرة.
إن الالتزام المهنى للمعلم يتطلب منه أن يكون على وعى تام بجملة من المهارات التى تشكل عصب ممارساته البيداغوجية الفعالة والتى من بينها الوعى بأن الإدارة الصفية عملية منظمة وهادفة ، كما أنها تتعلق بإدراك سلوك المعلم والمتعلم وتنظيم المناخ الصفى لتحقيق الأهداف المسطر لها بما يضمن تنظيم خبرات التعلم بشكل غرضى هادف لا عرضى ارتجالى تحكمه الفوضى العارمة والعشوائية الزائفة .
إن جملة هذه المرتكزات لن يكون لها جدوى إلا من خلال التوازن والإنتاجية المستدامة من قبل المعلم فى توجيه طاقته ونشاطه توجيها جيدا فى إدارة الصف إدارة ذكية, إدارة بشغف وصبر, بدلا من تحول هذه المسؤولية إلى استنزاف مهنى واستسلام تام يجعل التدريس عبئا ثقيلا على المعلم ومصدرا دائما للتوتر والقلق والاحتراق الوظيفى.
وعلى الله التكلان .
أ.د على عبد المنعم حسين أستاذ المناهج وطرائق التدريس وتكنولوجيا التعليم بكلية التربية جامعة الزقازيق







