كتب احمد عسله
في مشاركة علمية تعكس أهمية توظيف البحث الأكاديمي في مواجهة التحديات الزراعية والبيئية طرح الأستاذ الدكتور محمد يوسف أستاذ المكافحة الحيوية بكلية الزراعة جامعة الزقازيق والخبير في مجال الزراعة الحيوية ثلاث مبادرات تطبيقية ضمن فعاليات منتدى مصر 2026 الذي يناقش قضية الأمن الغذائي والمائي والتحديات الراهنة والضمانات اللازمة لبناء مستقبل أكثر استدامة.
تستهدف المبادرات الثلاث دعم القطاع الزراعي بصفة عامة والزراعة العضوية والحيوية بصفة خاصة من خلال تقديم حلول قابلة للدراسة والتطبيق في مجالات إعادة تدوير المخلفات الزراعية والحيوانية وإنتاج الأسمدة العضوية والأعلاف الغنية بالبروتين وتطوير خلايا نحل العسل بما يتلاءم مع التغيرات المناخية، فضلًا عن الإسهام في ترشيد استخدام الموارد الطبيعية وتحسين جودة الإنتاج الزراعي.
أكدت المبادرات أهمية الانتقال من مجرد التعامل مع المخلفات باعتبارها عبئا بيئيا إلى النظر إليها بوصفها موردا اقتصاديا يمكن استثماره بما يدعم منظومة الإنتاج الزراعي ويعزز فرص توفير غذاء صحي وآمن ويرفع القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق المحلية والخارجية.
الفيرمي كومبوست من المخلفات إلى ثروة زراعية
تتمثل المبادرة الأولى في نشر تكنولوجيا إنتاج «الفيرمي كومبوست» أو السماد العضوي الناتج عن نشاط ديدان الأرض من خلال الاستفادة من أنواع الديدان المناسبة ومنها الريد ويجلر والتايجر والزاحف الإفريقي، وفقًا للأنواع المستخدمة وملاءمتها لظروف الإنتاج.
تقوم الفكرة على تعظيم الاستفادة من المخلفات الزراعية والحيوانية وتحويلها من خلال المعالجة الحيوية المناسبة إلى سماد عضوي يمكن أن يسهم في تحسين خواص التربة ورفع كفاءتها الإنتاجية ودعم التوجه نحو تقليل الاعتماد على الأسمدة الكيماوية كلما سمحت طبيعة المحصول والتربة والبرنامج الزراعي بذلك.
تكتسب هذه المبادرة أهميتها من ارتباطها بأحد الملفات الرئيسية للتنمية الزراعية المستدامة وهو الإدارة الرشيدة للمخلفات وتقليل الفاقد وإعادة إدخال الموارد المتاحة في دورة إنتاج جديدة تحقق قيمة مضافة للمزارع والاقتصاد الوطني.
ذبابة الجندي الأسود بروتين للأعلاف وسماد عضوي من الموارد المتاحة
أما المبادرة الثانية فتستهدف الاستفادة من يرقات ذبابة الجندي الأسود (BSF) في إعادة تدوير المخلفات العضوية الزراعية والحيوانية المناسبة وإنتاج مكونات غنية بالبروتين يمكن استخدامها في صناعة الأعلاف وفقا للضوابط الفنية والصحية المعتمدة إلى جانب الاستفادة من نواتج المعالجة في إنتاج محسنات وأسمدة عضوية ملائمة للاستخدام الزراعي.
تطرح المبادرة مسارت للاستفادة المزدوجة من الموارد إذ تجمع بين إنتاج مكونات علفية ذات قيمة اقتصادية والاستفادة من المخلفات بما قد يسهم في دعم سلاسل الإنتاج الحيواني والداجني وخفض بعض تكاليف الإنتاج وتقليل الأعباء البيئية الناجمة عن التخلص غير الرشيد من المخلفات.
يظل نجاح هذا التوجه مرتبطا باختيار المخلفات المناسبة وضبط عمليات التربية والمعالجة والتحقق من سلامة المنتجات ومطابقتها للمواصفات بما يضمن تحقيق الجدوى الاقتصادية دون الإخلال بمتطلبات السلامة الحيوية والبيئية.
خلايا النحل الذكية مناخيا حماية طوائف النحل وتقليل الفاقد
تأتي المبادرة الثالثة لتتناول أحد المجالات المهمة في منظومة الإنتاج الزراعي وهو تربية نحل العسل من خلال طرح فكرة إنتاج خلايا نحل باستخدام ألواح الروكال بدلا من الخشب التقليدي، بهدف تحسين العزل الحراري للخلايا والحد من تعرض طوائف النحل للتقلبات الحادة في درجات الحرارة خلال فصلي الصيف والشتاء.
تستهدف الفكرة الحد من الإجهاد الحراري والبرودة الشديدة وتقليل مخاطر نفوق النحل وتحسين الظروف الداخلية للخلايا بما قد ينعكس إيجابيا على استقرار الطوائف وكفاءة الإنتاج وتقليل الفاقد في العسل.
وتحتاج هذه المبادرة شأنها شأن الحلول التقنية الجديدة إلى اختبارات ميدانية تقارن بين الخلايا المقترحة والخلايا التقليدية من حيث العزل الحراري والتهوية والرطوبة وسلامة المواد المستخدمة ومدى ملاءمتها لسلوك النحل ومتطلبات تربيته وصولا إلى أفضل تصميم يحقق الكفاءة والاستدامة والجدوى الاقتصادية.
تنبع أهمية المبادرة من أن نحل العسل لا يمثل مصدرا لإنتاج العسل فحسب بل يؤدي دورا حيويا في تلقيح العديد من المحاصيل النباتية بما يدعم الإنتاج الزراعي والتنوع البيولوجي واستدامة النظم البيئية.
الأمن الغذائي والمائي العلم في مواجهة تحديات المستقبل
تلتقي المبادرات الثلاث عند هدف رئيسي يتمثل في دعم الأمن الغذائي من خلال حلول عملية تستند إلى المعرفة العلمية وتوظف الموارد المتاحة وتفتح المجال أمام تطوير أنماط إنتاج أكثر كفاءة في استخدام المياه والطاقة والمدخلات الزراعية.
كما تتكامل هذه الرؤى مع التوجه نحو الزراعة الذكية مناخيا التي تسعى إلى تحسين الإنتاجية، وتعزيز قدرة الأنشطة الزراعية على التكيف مع التغيرات المناخية والحد من الآثار البيئية السلبية مع مراعاة طبيعة كل منطقة زراعية واحتياجاتها المائية والإنتاجية.
يبرز في هذا السياق دور الزراعة العضوية والحيوية في تقديم بدائل وأساليب إنتاج تستهدف تقليل الاعتماد على المبيدات والأسمدة الكيماوية وتحسين إدارة التربة والارتقاء بجودة المنتجات الزراعية مع ضرورة الالتزام بالمعايير المعتمدة لضمان سلامة الغذاء وقابليته للتسويق والتصدير.
تمثل الاستفادة من هذه المبادرات فرصة لتعزيز الصلة بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والمزارعين والجهات التنفيذية والقطاع الخاص بما يساعد على اختبار الأفكار وتقييم تكلفتها وعائدها ثم التوسع في تطبيق الحلول التي تثبت كفاءتها على أرض الواقع.
محمد يوسف توظيف الخبرة الأكاديمية لخدمة التنمية الزراعية
تعكس مشاركة الأستاذ الدكتور محمد يوسف في منتدى مصر 2026 اهتماما بطرح رؤى تتجاوز الإطار النظري إلى البحث عن حلول تطبيقية لقضايا الإنتاج الزراعي وإدارة الموارد وحماية البيئة.
تؤكد هذه المشاركة أن الاستثمار في العلم والخبرة البحثية يمثل أحد المسارات المهمة لمواجهة التحديات التي يشهدها العالم وفي مقدمتها ندرة المياه وتغير المناخ، وارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج والحاجة إلى تعزيز كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
كما تفتح المبادرات الثلاث المجال أمام حوار علمي ومجتمعي حول إمكانات تطويرها وتحديد متطلبات تنفيذها وبناء شراكات قادرة على نقلها من مرحلة الفكرة إلى التطبيق بما يحقق منفعة للمزارع المصري ويدعم الاقتصاد الوطني.
في ختام مشاركته أعرب الدكتور محمد يوسف عن خالص شكره وتقديره للقائمين على تنظيم منتدى مصر 2026 مثمنا إتاحة الفرصة لعرض المبادرات وتبادل الرؤى بشأن مستقبل الأمن الغذائي والمائي ومؤكدا أهمية استمرار الجهود العلمية والبحثية الرامية إلى تقديم حلول مبتكرة تخدم التنمية الزراعية المستدامة.
اختتم بالتأكيد على أن خدمة الوطن مسؤولية مشتركة تتكامل فيها جهود العلماء والمؤسسات والمزارعين داعيا الله أن يحفظ مصر وشعبها وجيشها وشرطتها وقيادتها وأن يوفق أبناءها إلى مزيد من العمل والعطاء من أجل مستقبل أكثر أمنا وازدهارا.








