كتب احمد عسله
في إنجاز علمي جديد يعكس أهمية البحث الأكاديمي في دراسة القضايا التاريخية والفكرية ذات التأثير الممتد في واقع المنطقة حصل الدكتور صالح الدالي على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى وهي أعلى مرتبة للتقدير وفقًا للمعلومات المعلنة عن المناقشة من كلية الدراسات العليا بجامعة الأزهر بالزقازيق عن رسالته التي حملت عنوان «أثر العقيدة الصهيونية في توطين اليهود في فلسطين.. دراسة تاريخية نقدية»، وذلك في تخصص الأديان المقارنة في موضوع يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بالتاريخ الفلسطيني والجذور الفكرية للصهيونية، ومسارات التوطين والاستيطان في فلسطين.
جاءت المناقشة لتسلط الضوء على أحد الموضوعات التي تتقاطع فيها الدراسات الدينية والفكرية والتاريخية، وتستدعي قراءة علمية متأنية للعلاقة بين المعتقدات والأفكار والتصورات الأيديولوجية من ناحية، والتحولات السياسية والتاريخية التي شهدتها فلسطين من ناحية أخرى بما يجعل البحث في هذا المجال مجالًا خصبًا للدراسة والتحليل والنقد، بعيدا عن اختزال الأحداث التاريخية في تفسير أحادي أو فصلها عن سياقاتها الفكرية والسياسية.
ويأتي حصول الباحث على هذه الدرجة العلمية الرفيعة تتويجًا لرحلته الأكاديمية، التي بدأت بحصوله على ليسانس أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر بالزقازيق، وصولًا إلى إعداد رسالة الدكتوراه ومناقشتها أمام لجنة علمية ضمت قامات أكاديمية متخصصة في الفلسفة الإسلامية، والأديان والمذاهب، والعقيدة والفلسفة، والتاريخ الإسلامي؛ في تكامل معرفي يمنح موضوع الرسالة أبعادًا متعددة، ويؤكد أهمية الاستعانة بالمناهج العلمية المتخصصة عند تناول القضايا التاريخية والفكرية المعقدة.
«أثر العقيدة الصهيونية في توطين اليهود في فلسطين».. عنوان يضع الفكر والتاريخ أمام البحث العلمي
اختار الباحث الدكتور صالح الدالي لرسالته عنوانا يتجاوز حدود السرد التاريخي التقليدي، متجهًا إلى دراسة أثر العقيدة الصهيونية في مسار توطين اليهود في فلسطين من خلال دراسة تاريخية نقدية؛ وهو عنوان يضع العلاقة بين الفكر والحدث التاريخي في صدارة الاهتمام، ويفتح الباب أمام فحص التصورات والمقولات التي ارتبطت بالمشروع الصهيوني وكيفية تناولها في سياق الدراسات التاريخية والفكرية.
وتبرز أهمية هذا الموضوع في أن القضية الفلسطينية لا يمكن فهم مساراتها التاريخية بمعزل عن جملة من العوامل المتداخلة، من بينها التحولات السياسية والتطورات الدولية والحركات الأيديولوجية وتغير موازين القوى وما صاحب ذلك من تحولات في الواقع السكاني والسياسي والجغرافي لفلسطين.
ومن هنا فإن تناول أثر العقيدة الصهيونية في التوطين يستدعي بطبيعته التمييز بين دراسة المعتقدات الدينية في سياقاتها المتعددة، وبين توظيف التأويلات والأفكار في بناء مشروع سياسي أو تبرير توجهات تاريخية.
كما يقتضي فحص الوقائع والوثائق والروايات التاريخية وفق مناهج البحث العلمي، ومقارنة التفسيرات المختلفة وتحديد الصلات التي يمكن إثباتها بين الخطاب الفكري ومسارات الفعل السياسي والتاريخي.
ويمنح وصف الدراسة بأنها «تاريخية نقدية» موضوعها أهمية منهجية إذ يشير إلى اتجاه بحثي يستهدف قراءة الأحداث والتصورات وتحليلها بدلا من الاكتفاء بإعادة عرضها؛ مع ضرورة إخضاع كل استنتاج للأدلة والمصادر التي يستند إليها والتمييز بين المعطيات التاريخية والتفسيرات التي يقدمها الباحث بشأنها.
تتجلى القيمة الأكاديمية لمثل هذه الموضوعات في قدرتها على إثراء الحوار العلمي حول القضية الفلسطينية وتعميق فهم خلفياتها الفكرية والتاريخية وإتاحة المجال أمام الباحثين والطلاب لمناقشة المفاهيم والمصطلحات والروايات المختلفة في إطار من المنهجية العلمية والانضباط البحثي.
لجنة علمية رفيعة تضم نخبة من أساتذة الجامعات المصرية..
شهدت الرسالة لجنة علمية متميزة جمعت بين الخبرة الأكاديمية والتخصصات المتكاملة بما أتاح مناقشة موضوعها من زوايا فكرية وتاريخية ودينية متعددة، وضمت اللجنة كلا من
الأستاذ الدكتور السيد محمد سيد عبد الوهاب أستاذ ورئيس قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة المنيا، ومدير مركز المخطوطات العربية والبرديات وعضو لجنة الترقيات للأساتذة والأساتذة المساعدين بالمجلس الأعلى للجامعات، مشرفا.
الأستاذ الدكتور محمد عمر خالد أستاذ الأديان والمذاهب بكلية الدعوة بجامعة الأزهر بالقاهرة مشرفا.
الأستاذ الدكتور محمود أحمد محمد قمر أستاذ ورئيس قسم التاريخ الإسلامي سابقا والأستاذ المتفرغ بكلية الآداب بجامعة الزقازيق مناقشا.
الأستاذ الدكتور عبد الغني الغريب طه راجح أستاذ ورئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر بالزقازيق مناقشا.
عكست هذه التشكيلة العلمية تنوعا في الخبرات والتخصصات ذات الصلة بموضوع الرسالة إذ تجمع بين الفلسفة الإسلامية والأديان والمذاهب والعقيدة والفلسفة والتاريخ الإسلامي، وهي مجالات تتقاطع مع دراسة الأفكار الدينية وتاريخها، وطرق تشكل التصورات الفكرية، وعلاقتها بالسياقات التاريخية والسياسية.
تكتسب المناقشة العلمية أهميتها من كونها مساحة لتقييم البناء المنهجي للرسالة ومراجعة مصادرها ومراجعها ومناقشة أدوات التحليل والتفسير التي اعتمد عليها الباحث فضلا عن اختبار مدى اتساق النتائج مع المقدمات والأدلة التي عرضها. كما تمثل فرصة لتبادل الرؤى بين الباحث وأساتذته بما يثري التجربة الأكاديمية ويعزز تقاليد البحث العلمي الجاد.
حضور أكاديمي وبرلماني وشعبي يعكس الاهتمام بالباحث ومناقشته
جرت المناقشة في أجواء اتسمت بالحضور الجماهيري الواسع والاحتفاء بالإنجاز العلمي، حيث شارك فيها لفيف من عمداء الكليات ورؤساء الأقسام وأعضاء هيئة التدريس بجامعتي الأزهر والزقازيق في مشهد يعكس التفاعل بين الأوساط الأكاديمية والاهتمام بالمناسبات العلمية التي تتوج جهود الباحثين في مراحل الدراسات العليا.
كما شهدت المناقشة حضور النائب لطفي شحاتة عضو مجلس النواب والاستاذ الدكتور محمد صلاح عبده بهدر ابن غزالة والسعادة إلى جانب عدد من القيادات بالمحافظة بما أضفى على المناسبة حضورًا مجتمعيًا لافتًا، وجمع بين الاهتمام الأكاديمي والتقدير العام للجهد العلمي الذي بذله الباحث حتى بلوغ هذه المرحلة.
شارك كذلك مئات من أفراد أسرة الباحث وأهالي قريته وجيرانه الذين حرصوا على الحضور ومشاركته هذه اللحظة المهمة في مسيرته العلمية في صورة تعبر عن قيمة العلم في الوجدان المجتمعي وعن مكانة الإنجاز الأكاديمي بوصفه ثمرة سنوات من الدراسة والبحث والمثابرة.
لم يكن الحضور الواسع مجرد مشاركة في مناسبة للحصول على درجة علمية بل جاء تعبيرًا عن تقدير الجهد الذي يقف وراء كل رسالة جامعية؛ فالوصول إلى الدكتوراه يتطلب وقتًا طويلًا من القراءة والبحث والتدقيق والقدرة على تنظيم المادة العلمية وبناء رؤية بحثية ومواجهة أسئلة المناقشين وملاحظاتهم ثم تقديم العمل أمام لجنة متخصصة تملك حق التقييم والحكم على مستواه العلمي.
كما تمثل مثل هذه المناسبات فرصة للتأكيد على أهمية التواصل بين الجامعات والمجتمع وعلى الدور الذي يؤديه البحث العلمي في فتح مساحات للنقاش المنظم حول قضايا التاريخ والفكر والواقع بما يرسخ قيمة المعرفة ويعزز مكانة المؤسسات الأكاديمية في الحياة العامة.
من أصول الدين والدعوة إلى الدكتوراه رحلة علمية تتوج بمرتبة الشرف الأولى
يأتي حصول الدكتور صالح الدالي على الدكتوراه امتدادا لمسار أكاديمي بدأه بدراسة أصول الدين والدعوة بجامعة الأزهر بالزقازيق ثم واصل خلاله التخصص والبحث حتى أعد رسالته في الأديان المقارنة متناولا موضوعا تتشابك فيه الأبعاد الفكرية والتاريخية والسياسية.
تعكس هذه الرحلة أهمية الاستمرار في طلب العلم والتعمق في التخصص، خصوصا في المجالات التي تحتاج إلى قراءة المصادر ومراجعة الروايات التاريخية وفهم السياقات التي نشأت فيها الأفكار، والتمييز بين النصوص الأصلية والتفسيرات اللاحقة لها.
وتبقى الدرجة العلمية في جوهرها مسؤولية جديدة تضاف إلى ما حققه الباحث فالدكتوراه ليست نهاية طريق المعرفة وإنما بداية مرحلة أوسع من البحث والتدقيق والإسهام العلمي بما يتيح لصاحبها مواصلة التخصص، وتطوير أدواته والمشاركة في إثراء المكتبة الأكاديمية بالدراسات الجادة.
كما أن تناول القضية الفلسطينية من منظور تاريخي وفكري يضع أمام الباحثين مسؤولية مضاعفة تتمثل في التعامل الدقيق مع المصادر ومراعاة تعدد السياقات والابتعاد عن التعميمات غير المدعومة بالأدلة حتى تظل الدراسة الأكاديمية مساحة للتحليل الرصين ووسيلة لفهم جذور القضايا الكبرى ومساراتها، لا مجرد تكرار للمواقف أو الشعارات.
البحث العلمي والقضية الفلسطينية أهمية القراءة التاريخية النقدية
تكتسب الرسالة أهميتها الموضوعية من ارتباطها بقضية ظلت حاضرة في الوعي العربي والدولي ومن الحاجة إلى مواصلة دراسة تاريخ فلسطين وتطوراته وفحص الخلفيات الفكرية والسياسية التي أسهمت في تشكيل مساراتها المختلفة.
تتطلب دراسة هذه القضية الاستعانة بمناهج متعددة تجمع بين التاريخ وتحليل الأفكار، وتراعي الفروق بين العقائد الدينية في ذاتها والحركات السياسية التي تستند إلى تأويلات أو تصورات بعينها فضلا عن دراسة الظروف الدولية والإقليمية التي أثرت في الأحداث.
في هذا السياق فإن البحث الأكاديمي الجاد لا تقتصر قيمته على الموضوع الذي يتناوله بل تمتد إلى الطريقة التي يعالجه بها ومدى اعتماده على المصادر الموثقة، وقدرته على التمييز بين الوقائع والتفسيرات واستعداده لمناقشة الأدلة المختلفة بموضوعية ومنهجية.
من هنا تأتي أهمية الرسائل العلمية التي تتناول الملفات التاريخية الكبرى إذ يمكن أن تسهم، متى استندت إلى منهج واضح ومصادر دقيقة في توسيع دائرة المعرفة وإثراء النقاش الجامعي وفتح آفاق جديدة أمام الباحثين المهتمين بتاريخ المنطقة وقضاياها الفكرية والسياسية.
تهنئة مستحقة للباحث وللأسرة الأكاديمية
وبهذا الإنجاز تُوّجت رحلة الدكتور صالح الدالي العلمية بالحصول على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى وسط حضور أكاديمي وبرلماني وشعبي واسع ومشاركة نخبة من الأساتذة المتخصصين الذين تولوا الإشراف على الرسالة ومناقشتها والحكم عليها.
تتقدم أسرة البحث العلمي بخالص التهنئة للدكتور صالح الدالي تقديرا لهذا الإنجاز الأكاديمي مع أطيب الأمنيات له بمزيد من التوفيق في مسيرته العلمية وأن تكون هذه الدرجة دافعًا لمواصلة البحث والإنتاج المعرفي والإسهام في الدراسات التاريخية والفكرية المتخصصة.
كما يستحق أعضاء لجنة الإشراف والحكم والمناقشة التقدير لما يمثلونه من خبرة علمية وأكاديمية ولما تضطلع به المناقشات الجامعية من دور في تقييم الرسائل العلمية وترسيخ قواعد البحث المنهجي وإعداد أجيال جديدة من الباحثين القادرين على دراسة القضايا المعقدة بأدوات علمية رصينة.
إنها مناسبة علمية تجمع بين ثمرة الاجتهاد الفردي ودور الأستاذ الجامعي، ومكانة المؤسسة الأكاديمية وتقدير المجتمع للعلم وأهله وتؤكد أن البحث الجاد يظل أحد المسارات المهمة لفهم التاريخ وقراءة الحاضر وبناء معرفة أكثر عمقا واتزانا بالقضايا التي تشغل المنطقة والعالم.
ألف مبروك للدكتور صالح الدالي مع خالص التمنيات بمزيد من النجاح والتقدم ومواصلة العطاء العلمي في خدمة المعرفة والبحث الأكاديمي.








