تأملوا معي هذه القصة القرآنية العظيمة وتأملوا كيف يمكن لصفة واحدة في الإنسان أن تفتح له أبوابا لم يكن يتخيلها!
شاب خرج من بلده خائفا يترقب تاركا وراءه أهله وبيته وحياته التي عرفها لا يحمل من متاع الدنيا ما يسد جوعه ولا يملك من أمر مستقبله شيئا.
إنه سيدنا موسى عليه السلام.
لم يكن في قصر فرعون ولم يكن صاحب سلطان ولم يكن يملك مالا أو وظيفة أومأوى لكنه كان يحمل في داخله شيئا أثمن من كل ذلك الإيمان والمروءة والقوة والأمانة.
وصل إلى مدين وهناك رأى مشهدا استوقفه رجالا يسقون مواشيهم وامرأتين تقفان بعيدا تنتظران لا تستطيعان مزاحمة الرجال.
لم يسألهما عن اسميهما ولم يستغل حاجتهما ولم يحوّل الموقف إلى فرصة للتعارف أوالمغازلة.
سألهما سؤالا إنسانيا بسيطا ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾
فأخبرتاه أن أباهما شيخ كبير وأنهما لا تسقيان حتى ينصرف الرعاء.
وهنا ظهرت أولى علامات الرجولة.
لم يقل وما شأني؟ ولم يقل أنا غريب وجائع ومتعب ومن يساعدني أولى بأن أساعده!
بل تقدم وسقى لهما ثم انصرف إلى الظل دون أن يطلب أجرا أو ينتظر ثناء أو يفرض عليهما جميلا.
وهنا نصل إلى مشهد من أعظم مشاهد التوكل في القرآن ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
يا الله يا الله يا الله!
لم يطلب مالا بعينه ولم يشترط وظيفة ولم يحدد شكل الفرج وإنما أعلن فقره إلى فضل الله.
وكأن لسان حاله يقول ياااا رب أنت تعلم حالي وتعلم محتالى وتعلم حاجتي وأنا لا أملك إلا بابك.
ثم جاءت المفاجأة! ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾.
لم يصف القرآن جمالها ولم يجعل الفتنة عنوان المشهد بل اختار وصفا بالغ الدلالة «تمشي على استحياء».
وحين وصل سيدنا موسى إلى أبيها وقص عليه ما حدث معه جاء الاقتراح الذي غيّر مجرى حياته.
قالت إحدى ابنتيه ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.
توقفوووا عند هاتين الكلمتين القوي… الأمييين.
لم تقل إنه صاحب مال ولا صاحب جاه ولا صاحب منصب ولا إنه من أسرة ذات نفوذ.
لقد رأت فيه القوة التي تستطيع تحمل المسؤولية والأمانة التي تجعل الإنسان موضع ثقة.
وهنا درس باااالغ الأهمية لكل أب وأم
عندما تبحث عن زوج لابنتك لا تسأل فقط ماذا يملك؟ اسأل من يكون؟ هل هو أمين؟ هل يحفظ الحقوق؟ هل يصون العهد؟ هل تستطيع أن تطمئن على ابنتك في غيابك معه؟
ولكل شاب نقول
لا تنشغل فقط بأن تكون غنيا في أعين الناس بل اجتهد أن تكون قويا في الحق أمينا في التعامل عفيفا في النظر صادقا في الوعد.
فقد لا يملك الإنسان الماااال لكنه يملك مايجعله جديرا بالثقة.
ثم جاءت المكافأة التي لم يطلبها سيدنا موسى ولم يسع إليها بطريق ملتوية.
عرض عليه الأب الزواج بإحدى ابنتيه مقابل أن يعمل عنده ثماني سنوات فإن أتم عشرا فمن عنده.
﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾.
يالها من عظمة يالها من نعمة يالها من اعجاز!
الرجل الذي خرج من بلده بلا مأوى وجد بيتا والذي لم يكن يملك عملا وجد عملا والذي كان غريبا وحيدا وجد أسرة تستقبلهووالذي لم يكن يملك مستقبلا واضحا وجد طريقا جديدا للحياة.
ولم يكن ذلك لأنه صاحب مال أو نفوذ وإنما لأن الله ساق إليه من يعرف قيمة القوة والأمانة.
وهنا جوهر الحكاية وليس مجرد نهايتها
سيدنا موسى لم ينتظر حتى تتحسن ظروفه ليكون إنسانا صالحا كان صالحا وهو جائع وأمينا وهو محتاج وصاحب مروءة وهو غريب وعفيفا وهو في أمس الحاجة إلى الأمان والاستقرار.
وهذه هي الأخلاق الحقيقية أن تتمسك بمبادئك عندما تكون في أضعف حالاتك لا عندما تكون في أقوى حالاتك.
رسائل من القصة اهديها لحضراتكم
إلى الشاب لا تجعل احتياجك مبررا للتنازل عن أخلاقك.
إلى الفتاة اجعلي معيارك في الاختيار الدين والخلق والأمانة لا بريق المظاهر وحده.
إلى الأب لا تبحث لابنتك عن رجل يملك الدنيا بل عن رجل تأمنه على قلبها وحقوقها وحياتها.
إلى كل إنسان افعل الخير لأنك صاحب مبدأ لا لأنك تنتظر المقابل.
وإلى كل من ضاقت به الدنيااا لا تظن أن ضياع فرصة يعني ضياع الحياة فقد تكون الأرض التي وصلت إليها هاربا هي نفسها الأرض التي يبدأ عليها رزقك ومستقبلك.
تأملوا جمال التدبير الإلهي
سيدنا موسى خرج خائفا فأمّنه الله وخرج وحيدا فرزقه الله أهلا وخرج بلا عمل ففتح الله له باب الرزق وخرج بلا بيت فوهبه الله السكن.
لم تتغير أخلاقه بتغير ظروفه ولكن تغيرت ظروفه بفضل الله ورحمته.
(((اللهم ارزق شبابنا القوة والأمانة وبناتنا العفة والحياء وآباءنا الحكمة وحسن الاختيار واجعل بيوتنا عامرة بالمودة والرحمة ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين)))
فالقوة قد تفتح الأبواب لكن الأمانة هي التي تجعل الناس يطمئنون إلى من يدخلونهم بيوتهم…








