تحقيق احمد عسله
ليس أخطر ما في أي ملف مالي أن تتأخر تسوية مستحقات أصحابه وإنما أن تتعدد الروايات بشأن قواعد الصرف وأن يتحدث أصحاب المطالبات عن حالات حصلت على مزايا معينة بينما لا يزال آخرون ينتظرون معرفة أسباب عدم حصولهم عليها.
وهنا لا تعود القضية مجرد خلاف حول رقم أو طريقة احتساب بل تتحول إلى سؤال مباشر عن وحدة المعايير وتكافؤ المعاملة والأساس القانوني الذي يحكم صرف المزايا التأمينية للعاملين السابقين بهيئة كهربة الريف.
وفي التحقيق السادس والعشرين من سلسلة فتح هذا الملف نتوقف أمام إفادة جديدة قدمها شوقي وفائي أحد العاملين السابقين بالهيئة ورئيس اللجنة النقابية السابق تتضمن روايته بشأن اختلاف نتائج صرف المزايا بين بعض العاملين الذين انتقلوا إلى جهات الكهرباء في مراحل مختلفة وبين أصحاب المطالبات الذين لا يزالون يطالبون بتسوية مستحقاتهم.
وهي إفادة تطرح أسئلة مهمة تستحق أن تجيب عنها الجهات المختصة بالمستندات لا بالتقديرات أو الانطباعات.
السؤال الأول ما القواعد التي حددت استحقاق الـ50 شهرًا والـ12 شهرًا؟
يتمسك العاملون أصحاب المطالبات بصرف ميزة وثيقة تأمين كهربة الريف بواقع خمسين شهرًا على أساس آخر أجر شامل، إلى جانب ميزة الاثني عشر شهرًا على أساس آخر أجر أساسي عند الإحالة إلى المعاش، وفقًا لما يقولون إنه مقرر في القواعد واللوائح والمستندات المنظمة.
لكن حسم هذا المطلب يتطلب وضع وثيقة التأمين الأصلية، وتعديلاتها، وقرارات الجمعية العمومية للصندوق إن وجدت، وقواعد الاشتراك والاستحقاق والصرف، أمام مراجعة قانونية ومالية متكاملة.
والسؤال الذي لا بد من الإجابة عنه هو هل ظلت قواعد الاستحقاق واحدة لجميع العاملين المشمولين بالوثيقة، أم طرأت تعديلات أو اختلافات في التطبيق بحسب تاريخ النقل أو جهة العمل أو المركز التأميني؟
إن تحديد القاعدة أولًا هو الطريق الوحيد للحكم على مدى صحة المطالبات، وعلى مدى سلامة التسويات التي أُجريت بالفعل.
خمس مراحل للنقل.. فهل كانت هناك خمس قواعد للصرف؟
يشير شوقي وفائي إلى أن نقل العاملين من هيئة كهربة الريف إلى شركات الكهرباء تم على خمس مراحل، امتدت من الأول من يوليو 2007 حتى الأول من يوليو 2011.
ويقول إن بعض العاملين الذين نُقلوا في المراحل الأولى، ثم أُحيلوا إلى المعاش، حصلوا على مزايا وثيقة التأمين والـ12 شهرًا، كما يشير إلى حالات أخرى من العاملين المنقولين في مراحل لاحقة حصلت على تلك المزايا.
وهنا نطرح سؤالًا جوهريًا على الشركة القابضة لكهرباء مصر والشركات التابعة لها
هل كانت هناك قاعدة موحدة لصرف المزايا التأمينية لجميع العاملين المنقولين من هيئة كهربة الريف، أم اختلفت المعاملة بين مرحلة وأخرى؟
وإذا كانت القاعدة واحدة، فما سبب عدم حصول بعض أصحاب المطالبات على ما يقولون إنه صُرف لزملائهم؟
أما إذا كانت هناك فروق في اللوائح أو تواريخ الاستحقاق أو مدد الاشتراك أو المراكز القانونية، فمن حق العاملين معرفة هذه الفروق، والأساس القانوني الذي استندت إليه الجهات المختصة.
فالعدالة لا تعني بالضرورة صرف المبلغ نفسه لكل حالة دون اعتبار لظروفها، لكنها تعني تطبيق القاعدة القانونية ذاتها على الحالات المتماثلة، وشرح أسباب اختلاف المعاملة عندما تختلف المراكز القانونية.
حالات خاصة يطالب العاملون بفحصها
تتضمن إفادة شوقي وفائي إشارات إلى حالات لأشخاص انتقلوا من جهات أخرى إلى هيئة كهربة الريف، أو قضوا مددًا محدودة في العمل بها، ثم حصلوا – بحسب روايته – على مزايا الوثيقة والـ12 شهرًا، رغم اختلاف مدد الخدمة أو الاشتراكات التي سددوها.
كما أثار تساؤلات بشأن حالات يقول إن أصحابها حصلوا على مزايا من أكثر من جهة، وحالات أخرى يشتبه في حصولها على مستحقات دون استيفاء الاشتراكات المطلوبة.
وهذه وقائع بالغة الأهمية إذا ثبتت بالمستندات، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى اتهامات نهائية بحق أشخاص دون فحص رسمي أو حكم قضائي.
ولذلك فإن المطلوب ليس نشر أسماء أو إطلاق أحكام، وإنما مطالبة إدارة الوثيقة والجهات المسؤولة بمراجعة الحالات التي قدم العاملون بشأنها مستندات، والإجابة عن الأسئلة التالية:
هل استوفى كل مستفيد شروط الاشتراك والاستحقاق وقت الصرف؟
ما مدة اشتراكه الفعلية، وما المبالغ التي سددها؟
هل كانت هناك قواعد خاصة للعاملين المنقولين من جهات أخرى؟
هل أجاز النظام الجمع بين مزايا الوثيقة ومزايا الجهة التي نُقل منها العامل؟
هل تمت مراجعة المستندات التي بُنيت عليها عمليات الصرف؟
وإذا ثبت وجود صرف غير مستحق، فما الإجراءات التي اتخذت لاسترداد الأموال وتصحيح الحسابات؟
إن حماية أموال الوثيقة تقتضي مراجعة جميع الحالات، سواء كانت لمصلحة العامل أو ضده، دون استثناء أو انتقائية.
مذكرة 24 ديسمبر 2024 اتصال الوزير أعاد الأمل إلى العاملين
ومن بين النقاط التي تستحق المتابعة ما ذكره شوقي وفائي بشأن مذكرة قال إنه أرسلها إلى الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، بتاريخ 24 ديسمبر 2024، بشأن حقوق العاملين السابقين بالهيئة.
ويقول وفائي إنه تلقى اتصالًا هاتفيًا من الوزير للاستفسار عن الموضوع، وهو ما ترك أثرًا طيبًا لديه ولدى زملائه، باعتباره مؤشرًا على وصول القضية إلى مستوى المسؤولية الوزارية والاهتمام بها.
ومن هنا نوجه سؤالًا إلى الوزارة: ما الذي انتهت إليه دراسة المذكرة؟ وهل أحيلت إلى الشركة القابضة أو الإدارات المختصة؟ وهل صدرت بشأنها توجيهات أو توصيات أو تكليفات محددة؟
إن مجرد وصول المذكرة إلى المسؤول لا يحسم المطالبة، لكنه يجعل من المهم معرفة مسارها الإداري، وما إذا كانت قد خضعت لفحص فعلي، وما النتائج التي ترتبت عليها.
زيادة أجور 120 ألف عامل ومطالب العاملين السابقين لا ينبغي أن تغيب
وفي ضوء ما تردد بشأن إعداد مقترحات لزيادة أجور العاملين بقطاع الكهرباء ورفعها إلى وزير الكهرباء لاتخاذ القرار النهائي بشأنها وتوقيت التنفيذ، يطرح أصحاب المطالبات سؤالًا آخر يتعلق بأوضاع العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف.
فهم لا يطالبون – وفقًا لما ورد في إفادتهم – بأن تحل زيادة الأجور محل حقوقهم التأمينية، ولا بأن تُعامل مستحقاتهم باعتبارها زيادة جديدة، وإنما يطالبون بفحص حقوق يقولون إنها نشأت عن اشتراكات وقواعد تأمينية سابقة.
وهنا ينبغي التمييز بين ملف زيادة أجور العاملين الحاليين، الذي يخضع لقواعد وقرارات مستقلة، وبين ملف المزايا التأمينية للعاملين السابقين، الذي تحكمه وثيقة التأمين ولوائحها واشتراكاتها ومراكز المستفيدين.
ومع ذلك، فإن الحديث عن تطوير أوضاع العاملين في قطاع الكهرباء يمثل مناسبة مهمة لتأكيد أن العاملين السابقين الذين شاركوا في بناء هذا القطاع لا ينبغي أن تظل مطالباتهم دون إجابة واضحة.
إلى الدكتور محمود عصمت نريد كشف الحقيقة لا مجرد رد
السيد الدكتور المهندس محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة..
السيد الدكتور المهندس أحمد مهينة، رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر، وفقًا للبيانات الواردة في المكاتبات المقدمة إلينا..
إننا نضع أمام سيادتكما سؤالًا محددًا: هل حصل جميع العاملين الذين تتطابق مراكزهم القانونية والتأمينية على المزايا ذاتها، وفقًا للقواعد المنظمة لوثيقة تأمين كهربة الريف؟
وإذا كان بعض العاملين قد حصلوا على مزايا الخمسين شهرًا والاثني عشر شهرًا، فما القواعد التي تم الصرف على أساسها؟ وهل تمت مراجعة هذه القواعد وتطبيقها على جميع الحالات المماثلة؟
ونطالب بإتاحة مراجعة رسمية تتضمن:
بيانًا بقواعد الاستحقاق والصرف التي كانت سارية على العاملين المنقولين من الهيئة.
مقارنة بين حالات الصرف في المراحل الخمس، مع مراعاة تواريخ انتهاء الخدمة ومدد الاشتراك والمراكز القانونية.
بيانًا بأسباب اختلاف التسويات، إن وجدت، مع توضيح السند القانوني لكل اختلاف.
مراجعة الحالات التي أثارها أصحاب المطالبات بشأن الصرف دون استيفاء الاشتراكات، أو الجمع بين مزايا أكثر من جهة.
حصر المطالبات التي لم تُحسم حتى الآن، وتحديد الجهة المسؤولة عن مراجعتها والمدة اللازمة للانتهاء منها.
إن هذه المطالب لا تستهدف إدانة أحد، ولا الانتقاص من حقوق مستفيد، وإنما تستهدف ضمان أن تكون أموال الوثيقة قد صُرفت وفق قواعد معلومة، وأن يحصل كل صاحب حق على مستحقاته دون تمييز.
لا عدالة بلا معيار واحد
إن العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف لا يطلبون أن تُمنح لهم ميزة لمجرد أن غيرهم حصل عليها، بل يطالبون بمعرفة القاعدة التي صُرف بموجبها لغيرهم، ومدى انطباقها على حالاتهم.
وهذا فارق جوهري؛ فالحق لا يثبت بمجرد المقارنة، لكنه لا يسقط أيضًا لمجرد أن صاحبه لم يحصل على إجابة.
إن مراجعة حالات الصرف، ومطابقة الاشتراكات، وفحص القرارات واللوائح، وإعلان أسباب الاختلاف، كلها خطوات من شأنها أن تحسم جانبًا مهمًا من الملف، وتحمي أموال الوثيقة من أي صرف غير مستحق، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق من تثبت أحقيتهم.
نريد كشفًا واضحًا: من صُرفت له المزايا؟ وعلى أي أساس؟ ومن لم تُصرف له؟ ولماذا؟
هذا هو السؤال الذي نضعه أمام وزارة الكهرباء والشركة القابضة، وننتظر إجابة رسمية موثقة عنه.
فالعدالة ليست أن يحصل الجميع على شيء واحد رغم اختلاف مراكزهم، وإنما ألا يُحرم صاحب الحق من مستحقه، وألا يحصل غير المستحق على أموال ليست له.
وتستمر التحقيقات حتى تصبح كل مطالبة أمام مستند، وكل تسوية أمام حساب، وكل اختلاف أمام تفسير قانوني واضح، وحتى يحصل كل عامل على ما يثبت أنه حقه كاملًا.








