لقد دلت الحكم العطائية لابن عطاء الله السكندرى على جمالية فى المبنى وجلال فى المعنى ورحابة فى التجربة ؛ وذلك لأنها تشدك بأحزمة الشوق تحت لهيب شمس حقائقها التى تؤجج فى الصدر عطش المعرفة ، حتى إذا تمكنت سقتك رويدا رويدا فلا ترتوى إلا إذا ارتشفت كل رحيقها.
فالومضات الفهمية فى الحكم العطائية هى بمثابة علاج وجودى للإنسان المعاصر المنهك فى الماديات المفرطة ، وملذات الحياة المهلكة . إنها تدعونا إلى رحلة داخلية تبدأ من التخلى عن الأوهام ومتع الحياة الزائفة لتصل بنا إلى مرتبة التحلى بالأنوار المعرفية انتهاء بالتجلى وهو أعلى المراتب والدرجات ؛ حيث يرى الإنسان الكون كله بعين الرضا والسكينة فيطمئن قلبه إلى حكمة الخالق فى تصريف أموره وتدبير شؤونه.
فابن عطاء الله السكندرى لم يكتب حكما لتطرب بها الآذان ، بل صاغ خرائط طريق للروح ، لتظل هذه الومضات قادرة على إنارة العقول ، وتثبيت القلوب ، وتأكيد على أن عمق الفلسفة الحقيقية لا يكمن فى تعقيد العبارة ، بل فى قدرتها على تحرير الإنسان من سجن ذاته الضيقة إلى فضاء الوجود الأرحب.
لقد قدم ابن عطاء الله قراءة فلسفية مذهلة لحقيقة المعاناة الإنسانية ومفهوم الخير والشر من خلال جدلية العطاء والمنع، حيث يقول:
( ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك ، ومتى فتح لك باب الفهم فى المنع ، صار المنع عين العطاء ) . فهذه الومضة تُفكك الثنائيات التقليدية التى تسجن الوعى الإنسانى بين الضدين الخيرو الشر ، اللذة والألم . فالفهم العطائى يرى أن المنع ليس غيابا للمحبة أو العدالة ، بل هو أقصى درجات العطاء لأنه يحمى الإنسان من الطغيان بالنعمة ، ويقوده إلى الانكسار المعرفى والاضطرار الوجودى . إنه تحويل للمحن إلى منح للارتقاء الروحى بالإنسان ، وهى فكرة تلتقى مع فلسفات العزاء الوجودى لكن بروحانية متعالية.
فعندما يغرق الإنسان فى النعم المادية كالمال ، والجاه، والصحة وينسبها إلى ذكائه وتدبيره ، فإن هذه النعم تتحول إلى حجاب يعميه عن الحقيقة الوجودية وتجعله يطغى . وفى هذه الحالة يكون العطاء الظاهرى هو منع باطنى حقيقى ؛ لأنه حرم الإنسان من التواضع ، والانكسار ، والاتصال الحقيقي بمصدر هذه النعم ، وحين يُمنع الإنسان من حظوظ نفسه ، يلتجئ باضطرار وانكسار إلى الغيب ، فيُرزق السكينة ، والرضا ، والبصيرة. هذا الانكسار هو جوهر العطاء الباطنى العظيم الذى فاق بكثير ما حُرم منه فى الظاهر.
والإنسان بطبعه يقع فى فخ وهم السيطرة ، فيظن أنه بعقله ، وذكائه ، وخططه هو الصانع الأوحد لمستقبله ولرزقه ، مما يورثه قلقا مزمنا وخوفا من الغد . وهنا يدعو السكندرى إلى إراحة النفس من هم النتائج ؛ فالتدبير الإلهى قائم ومحيط بالإنسان قبل أن يوجد ، فما كُفيتَ تدبيره وصناعته كالأقدار والأرزاق والمصائر ، ليس من العقل ولا من الحكمة أن تستهلك عمرك فى القلق والتدبير الخائف له.
لعل هذه الحكم العطائية تنير قلوب البشر وتهذب أرواحهم وتزكى نفوسهم وتنير عتمة الحيرة الإنسانية التى تستهلك طاقتهم البشرية وقواهم العقلية فى أمور قد كتبها الله قبل خلق الخلائق فالتدبير الإلهي للبشر عند ابن عطاء الله السكندرى ليس إلغاء لعقل الإنسان أو إرادته ، بل هو تحرير للعقل من عبء ما لا يطيق . إنها دعوة لأن يتحرك الإنسان فى الكون بجسده آخذا بالأسباب ، ويسكن بقلبه ثقة فى تدبير خالقه. فعندما يستوعب الإنسان هذه الحقيقة ، تنتهى معاركه العبثية مع القدر، ويتحول سعيه فى الحياة من ركض خائف مذعور إلى رحلة مشى مطمئنة فى ظلال حكمة عليا تدير كل التفاصيل نسأل الله تعالى أن يوفقنا لتحقيق مرادنا بما لا يخالف حكم تدبيره لنا .
وعلى الله التكلان .
أ.د على عبد المنعم حسين أستاذ المناهج وطرائق التدريس وتكنولوجيا التعليم بكلية التربية جامعة الزقازيق







