في ظل التحولات المتسارعة في السياسة الأمريكية، يبرز ملف المساعدات العسكرية والاقتصادية لإسرائيل باعتباره أحد الملفات التي قد تعيد رسم خريطة العلاقات الأمريكية في الشرق الأوسط، خاصة مع تصاعد الحديث عن احتمالات تقليص الدعم الأمريكي لتل أبيب أو إنهائه خلال المرحلة المقبلة.
لكن تداعيات هذا التحول المحتمل قد لا تتوقف عند إسرائيل، بل تمتد إلى حلفاء واشنطن في المنطقة، وفي مقدمتهم مصر والأردن، اللتان ارتبط جانب مهم من المساعدات الأمريكية المقدمة إليهما باعتبارات الأمن الإقليمي واتفاقيات السلام.
ومن هنا يبرز التساؤل: هل يؤدي تقليص المساعدات لإسرائيل إلى مراجعة أوسع لبرامج الدعم الأمريكي في المنطقة؟ وهل تجد القاهرة وعمان نفسيهما أمام معادلة استراتيجية جديدة؟
بداية، تجدر الإشارة إلى أن الحديث عن إنهاء المساعدات الأمريكية لإسرائيل بنهاية 2026 لا يزال في إطار السيناريوهات والتصريحات غير المؤكدة رسميًا، بينما تمتد مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية الحالية حتى عام 2028، ما يجعل هذا الطرح استشرافيًا وليس قرارًا نهائيًا.
المساعدات الأمريكية.. معادلة تتجاوز إسرائيل
منذ توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، أصبحت المساعدات الأمريكية لمصر أحد مكونات التوازن الاستراتيجي في المنطقة، فيما تعزز الدعم الأمريكي للأردن عقب معاهدة السلام عام 1994.
وفي السنة المالية 2025، حصلت إسرائيل على نحو 3.3 مليار دولار من التمويل العسكري، إضافة إلى 500 مليون دولار للدفاع الصاروخي، مقابل 1.3 مليار دولار لمصر، و425 مليون دولار للأردن من التمويل العسكري، إلى جانب 1.2 مليار دولار مساعدات اقتصادية.
وتكشف هذه الأرقام أن المساعدات الأمريكية ليست مجرد دعم مالي، بل أداة لإدارة شبكة من المصالح والتحالفات الأمنية والسياسية. وفي هذا السياق، حذر السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل دانييل شابيرو من أن تقليص الدعم العسكري لتل أبيب قد يدفع الكونغرس إلى إعادة النظر في حزم المساعدات المقدمة لمصر والأردن.
الأردن.. الأكثر تأثرًا
يبدو الأردن أكثر حساسية تجاه أي تقليص محتمل للمساعدات الأمريكية، نظرًا لاعتماده على التمويل الخارجي في دعم الموازنة وتمويل قطاعات حيوية.
فخلال الفترة من 2014 إلى 2023، بلغ متوسط المساعدات الأمريكية للأردن نحو 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي، كما ساهمت في تغطية نحو 20% من عجز الموازنة خلال 2024.
ولا يقتصر التأثير على الأرقام المالية، بل يمتد إلى مشروعات الصحة والتعليم والخدمات، وفرص العمل المرتبطة بالبرامج الأمريكية، ما يجعل أي تقليص واسع مصدر ضغط اقتصادي واجتماعي على المملكة.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للأردن باعتباره حليفًا رئيسيًا لواشنطن خارج حلف الناتو، ومستضيفًا لقوات أمريكية، وشريكًا في التعاون الأمني والدفاعي الإقليمي.
لكن العلاقة لا تخلو من خلافات، خصوصًا بشأن القضية الفلسطينية ورفض الأردن القاطع لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وهو ما يضيف أبعادًا سياسية إلى أي مراجعة محتملة للعلاقات بين البلدين.
مصر.. حسابات مختلفة وبدائل متعددة
أما مصر، فتتمتع بوضع مختلف نسبيًا، فالمساعدات الأمريكية لا تمثل النسبة نفسها من اقتصادها كما هو الحال في الأردن، لكنها تظل عنصرًا مهمًا في العلاقات العسكرية والاستراتيجية بين البلدين.
وتحصل القاهرة على نحو 1.3 مليار دولار سنويًا من التمويل العسكري الأمريكي، المرتبط تاريخيًا بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، إلى جانب دور مصر في حفظ الاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب وتأمين المصالح الاستراتيجية.
وقد استُثنيت مصر من قرار تجميد المساعدات الخارجية الذي صدر خلال إدارة ترامب عام 2025، بما يعكس خصوصية موقعها في الحسابات الأمريكية.
كما تتجاوز المصالح بين البلدين ملف المساعدات، لتشمل التعاون الاقتصادي والطاقة، ومن ذلك موافقة بنك التصدير والاستيراد الأمريكي على خطاب اعتماد بقيمة ملياري دولار لدعم صادرات الغاز الطبيعي المسال إلى مصر.
ومع ذلك، فإن أي تغير في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل قد يفرض على القاهرة مراجعة بعض حساباتها، خاصة في ظل اتجاه واشنطن المحتمل لتقليص التزاماتها الخارجية، وهو ما يعزز أهمية تنويع مصادر التسليح والتعاون الدولي، بما في ذلك العلاقات مع الصين وروسيا.
السياسة والشارع.. تباين في الحسابات
تتعامل عمان مع ملف المساعدات بحذر دبلوماسي، مستندة إلى أهمية الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، مع المطالبة بمراجعة القرارات التي تمس القطاعات الحيوية.
وقد عكست تصريحات رئيس مجلس الأعيان الأردني فيصل الفايز هذا التوازن، من خلال الدعوة لإعادة النظر في بعض قرارات المساعدات والرسوم الجمركية، مع التأكيد على أهمية استمرار الدعم الأمريكي.
وفي مصر، تتعدد الرؤى بشأن مستقبل المساعدات؛ فهناك من يرى أنها تخدم المصالح الأمريكية بالدرجة الأولى بسبب ارتباطها بشروط التسليح، وهناك من يربط مستقبلها بمستقبل التفاهمات السياسية المرتبطة بمعاهدة السلام، بينما يحذر آخرون من تأثير التحولات داخل السياسة الأمريكية وصعود شعار «أمريكا أولًا» على استمرارية برامج الدعم.
أما شعبيًا، فتشير استطلاعات الرأي، ومنها بيانات مركز بيو للأبحاث، إلى اتجاهات سلبية واسعة تجاه السياسة الأمريكية في المنطقة، خاصة بسبب الموقف من الحرب على غزة. وبالتالي، قد يُنظر إلى تقليص المساعدات باعتباره انعكاسًا للتباعد السياسي بين واشنطن والقاهرة، وليس مجرد خسارة مالية.
إعادة تشكيل النفوذ الأمريكي
إذا تحقق سيناريو تقليص المساعدات، فقد تتجاوز تداعياته العلاقات الثنائية لتؤثر في شكل النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط، خاصة مع اتجاه داخل واشنطن لإعادة ترتيب الأولويات وتقليص الالتزامات الخارجية.
وفي المقابل، قد تجد الصين وروسيا فرصة لتعزيز حضورهما الإقليمي من خلال توسيع التعاون الاقتصادي والعسكري، وتقديم بدائل للدول التي تسعى إلى تنويع شراكاتها الدولية.
وسيكون الأردن مطالبًا بالبحث عن مصادر تمويل بديلة، سواء من الاتحاد الأوروبي أو دول الخليج، بينما تمتلك مصر مساحة أوسع للمناورة بحكم ثقلها الإقليمي وتنوع علاقاتها الدولية.
الخلاصة
إن تقليص المساعدات الأمريكية لإسرائيل، إذا تحقق، قد يمثل بداية لإعادة تعريف طبيعة النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وليس مجرد تغيير في حجم الدعم المقدم لتل أبيب.
فمصر والأردن أمام معادلة تتجاوز المساعدات المالية إلى حسابات الأمن والسياسة والتحالفات الدولية، وهو ما يجعل تنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الاقتصادية والإنتاجية، وتطوير الصناعات الدفاعية، ضرورة استراتيجية.
ففي عالم تتغير فيه التحالفات وفق المصالح، لم تعد قوة الدول تقاس فقط بما تحصل عليه من دعم خارجي، بل بقدرتها على امتلاك البدائل وحماية مصالحها وصناعة قرارها المستقل.







