ليس كل أب حاضر في البيت حاضراً في حياة أبنائه وليس كل من ينفق على أسرته يؤدي رسالته كاملة وليس كل من يوفر الطعام والملبس والتعليم قد منح أبناءه ما يحتاجون إليه حقاً.
هناك آباء يعيشون تحت سقف واحد مع أبنائهم لكن بينهم وبينهم مسافات أبعد من حدود المدن والبلدان.
أب يعود من عمله مرهقاً يتناول طعامه ينشغل بهاتفه يتابع أخباره ومبارياته ومكالماته وأحيانا يذهب لكافيهه او يتسلل ليمارس نزواته ثم يذهب إلى نومه دون أن يسأل ابنه ماذا تعلمت اليوم؟ هل أسعدك شيء؟ هل أحزنك موقف؟ هل واجهت مشكلة؟ هل هناك ما تريد أن تحدثني عنه؟
تمر الأيام وتكبر الأبناء ويكتشف الأب فجأة أن ابنه أصبح غريباً عنه وأن ابنته لم تعد تحكي له تفاصيل يومها وأن هناك عالما كاملا تشكل داخل نفوس أبنائه دون أن يكون له فيه حضور حقيقي.
ثم يتساءل في دهشة لماذا لا يسمعون كلامي؟ ولماذا لا يستشيرونني؟ ولماذا أصبحوا أقرب إلى أصدقائهم وإلى هواتفهم مني؟!
يا سيدي لأن العلاقة لا تُبنى بمجرد صلة الدم ولا تُفرض بمجرد صفة الأبوة ولا تُشترى بالمال وإنما تُبنى بالوقت والاهتمام والحوار والاحتواء والقدوة.
الأبوة ليست كشف حساب شهرياً وليست تحويلات مالية وليست قائمة بالمصروفات التي دفعتها من أجل أبنائك. الأبوة حضور ومسؤولية ومشاركة وصناعة إنسان.
نعم نحن نقدر قيمة الأب الذي يعمل ويتعب ويكدح من أجل أسرته ونعرف أن ضغوط الحياة أصبحت قاسية وأن كثيراً من الآباء يعودون إلى بيوتهم وقد استنفدت مشاغل العمل طاقتهم.
لكن التعب لا ينبغي أن يتحول إلى غياب دائم، والانشغال لا يجوز أن يصبح مبرراً لترك الأبناء ينشؤون بلا توجيه والإنفاق مهما بلغ لا يمكن أن يكون بديلاً عن التربية.
فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى من يدفع مصروفاتهم بل يحتاجون إلى من يسمع أحلامهم ويحتوي مخاوفهم ويصحح أخطاءهم ويعلمهم كيف يواجهون الحياة.
كم من أب أنفق على ابنه آلاف الجنيهات، لكنه لم يمنحه عشر دقائق من الحوار الصادق؟ وكم من أب اشترى لابنه أغلى هاتف لكنه لم يعرف يوماً ماذا يدور في عقله؟!
إنها مفارقة تستحق التأمل.
نبحث عن أفضل المدارس وأغلى الدروس الخصوصية وأحدث الأجهزة وننفق على الملابس والرحلات والأنشطة ثم ننسى أن أهم مدرسة يدخلها الطفل هي بيته وأول معلم يتعرف إليه هو أبوه وأمه.
قد يتعلم ابنك الرياضيات على يد أمهر المعلمين واللغة على يد أفضل المتخصصين لكنه لن يتعلم منك قيمة الأمانة إذا رآك تخالفها ولن يتعلم احترام الآخرين إذا شاهدك تهينهم ولن يتعلم تحمل المسؤولية إذا كنت دائما تهرب منها.
أنت لا تربي ابنك فقط بما تقوله له وإنما بما يراه منك وبما تفعله أمامه وبما تسمح لنفسك به وأنت تطالبه بعكسه.
وهنا مكمن الخطورة.
بعض الآباء يريدون أبناء مطيعين لكنهم لا يمنحونهم فرصة للحوار.
يريدون أبناء صادقين بينما يتعاملون مع الحقيقة بانتقائية أمامهم.
يريدون أبناء يحترمون الكبير بينما لا يتورعون عن الإساءة إلى الآخرين أمامهم.
يريدون أبناء يتحملون المسؤولية بينما يتولون عنهم كل شيء ثم يلومونهم على الاتكالية.
يريدون أبناء ناجحين لكنهم لا يعرفون شيئاً عن مخاوفهم أو قدراتهم أو ما يواجهونه من صعوبات.
كيف تطلب من ابنك أن يثق بك وأنت لا تمنحه فرصة ليتحدث إليك؟ وكيف تنتظر منه أن يلجأ إليك عند أزمته بينما لم يجدك بجواره في أيامه العادية؟!
والأخطر أن غياب الأب عن التفاصيل الصغيرة قد يترك فراغاً في حياة الأبناء يبحثون عن ملئه في أماكن أخرى وقد يجدون من يمنحهم الاهتمام لكن ليس بالضرورة أن يمنحهم النصح أو الأمان أو التوجيه الصحيح.
قد يصبح صديق غير ناضج هو مرجعهم الأول أو شخصية افتراضية هي قدوتهم أو مجموعة على مواقع التواصل هي مصدر أفكارهم بينما الأب الذي كان ينبغي أن يكون أول من يلجأون إليه لا يعرف حتى ما الذي يشغلهم.
وهنا لا نتحدث عن اتهام للأب وإنما عن جرس إنذار لكل أب قبل أن تتسع المسافة بينه وبين أبنائه.
يا أيها الأب
لا تنتظر حتى يقع ابنك في مشكلة لكي تقترب منه.
لا تنتظر حتى تتراجع درجاته لتسأله عن دراسته.
لا تنتظر حتى يتغير سلوكه لتكتشف أنك لم تكن تعرف عنه شيئاً.
لا تجعل علاقتك به قائمة على الأوامر والنواهي والعقاب بل اجعلها قائمة على الثقة والحوار والاحترام مع بقاء الحزم والحدود التي تحفظ له استقامته.
اجلس معه واستمع إليه وشاركه اهتماماته واعرف أصدقاءه وتابع دراسته وكن حاضراً في لحظات فرحه وانكساره.
ولا تخجل من الاعتذار له إذا أخطأت فالأب الذي يعترف بخطئه لا يفقد هيبته وإنما يقدم لابنه درساً عظيماً في الشجاعة والإنصاف.
ليس مطلوباً منك أن تكون أباً مثالياً لا يخطئ وإنما أن تكون أباً لا يتهرب من مسؤوليته ولا يترك أبناءه يواجهون الحياة وحدهم.
وللأم دور عظيم لا يمكن إغفاله فهي شريكة الأب في صناعة الشخصية وليست مطالبة بأن تحمل وحدها عبء التربية بينما يكتفي الأب بدور الممول والمحاسب.
التربية شراكة والبيت الذي يتقاسم فيه الأب والأم المسؤولية يقدم لأبنائه نموذجاً للاستقرار والاحترام والتعاون.
أما أن نترك الأم وحدها في مواجهة كل تفاصيل التربية ثم نتدخل عند وقوع المشكلة لنصدر الأحكام، فذلك ليس عدلاً ولا حكمة.
وللمدرسة أيضاً دورها، لكن لا تطلبوا منها أن تعوض غياب الأب ولا تجعلوا المعلم بديلاً عن حوار افتقده الابن في بيته.
فالمعلم يستطيع أن يشرح درساً وأن يوجه سلوكاً وأن يكتشف موهبة لكنه لا يستطيع أن يعيش حياة الأبناء نيابة عن أسرهم.
إن أخطر ما يمكن أن يخسره الأب ليس مالاً أو منصباً أو مكانة وإنما أن يخسر الطريق إلى قلب ابنه وهو لا يزال يعيش معه تحت سقف واحد.
تذكروا أن أبناءكم لن يتذكروا فقط كم أنفقتم عليهم بل سيتذكرون من جلس بجوارهم عندما خافوا ومن استمع إليهم عندما أخطأوا ومن شجعهم عندما تعثروا، ومن علمهم أن الرجولة مسؤولية وأن القوة رحمة وأن النجاح أخلاق قبل أن يكون أرقاماً وشهادات.
قد تنسى ابنتك ثمن الفستان الذي اشتريته لها وقد ينسى ابنك نوع الهاتف الذي أهديته إليه، لكنهما لن ينسيا بسهولة لحظة شعر كل منهما فيها أنك حاضر من أجله وأنه يستطيع أن يتحدث إليك دون خوف أو سخرية أو إهانة.
وأقول لكل أب لا تجعل أبناءك يعرفونك من خلال ما تقدمه لهم فقط، بل اجعلهم يعرفونك من خلال ما تزرعه فيهم.
فالمال قد يوفر لهم حياة كريمة والتعليم قد يمنحهم مستقبلاً أفضل، لكن وجودك الواعي في حياتهم يمنحهم شيئاً لا يقدر بثمن الأمان والاتزان والقدرة على الاختيار الصحيح.
لا تترك الأبوة تتحول إلى وظيفة إنفاق ولا تجعل الانشغال بالحاضر يسرق منك مستقبل أبنائك.
فأنت لا تعمل طوال اليوم من أجل أن توفر لهم حياة أفضل فحسب بل تعمل أيضاً لكي تكون جزءاً من هذه الحياة.
حابب اؤكد بانك قد تنجح في بناء بيت واسع وتوفير حساب مصرفي جيد وإلحاق أبنائك بأرقى المدارس لكن النجاح الحقيقي أن تخرج من هذا البيت أبناء يعرفون قيمة الإنسان ويحترمون الآخرين ويتحملون مسؤولياتهم ويجدون في أبيهم قدوة لا مجرد ممول.
فلا تترك أبناءك يبحثون عن أب خارج البيت بينما أبوهم يجلس بينهم!








