تخيلوا أبا يجلس أمام ابنه لا يحدثه عن ميراثه ولا عن ثروته ولا عن المكانة التي ينتظرها له بين الناس.
لا يقول له كيف تصبح غنيا؟ ولا يقول له كيف تصبح صاحب نفوذ؟ ولا يقول له كيف تنتصر على الآخرين؟ بل يبدأ معه من الأساس الذي تُبنى عليه حياة الإنسان كلها
يا بني لا تشرك بالله.
إنه لقمان الحكيم الذي خلد القرآن وصاياه لابنه لتظل مدرسة مفتوحة لكل أب وأم إلى قيام الساعة.
قال الله تعالى﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾.
ثم جاءت وصيته العظيمة﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
توقفوا عند كلمة «يا بني»
لم يبدأ بالصراخ ولم يبدأ بالتهديد ولم يبدأ بإهانة ابنه أو التقليل من شأنه.
بدأ بالحب.
ياااا بني!
كأن القرآن يعلمنا أن النصيحة التي تدخل القلب تبدأ من باب الرحمة لا من باب القسوة.
ثم انظروا إلى ترتيب الوصايا.
بدأ بالعقيدة ثم انتقل إلى مراقبة الله ثم الصلاة ثم الإصلاح ثم الصبر ثم تهذيب السلوك والتواضع.
وكأننا أمام منهج متكامل لتربية إنسان يعرف ربه، ويراقب نفسه ويحسن عبادته وينفع مجتمعه ويحترم الناس.
الدرس الأول ربِّ ابنك على أن الله يراه دائما.
قال لقمان﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
يا لها من تربية!
علمه أن الله لا تخفى عليه خافية وأن أصغر عمل مهما اختبأ عن أعين البشر، يعلمه الله.
يا أبا لا تكتفِ بأن تسأل ابنك أين كنت؟ ومع من جلست؟ وماذا فعلت؟ ازرع داخله سؤالا أهم هل يرضى الله عما فعلت؟
فمن تربى على مراقبة الله لا يحتاج إلى شرطي يقف خلفه طوال حياته.
الدرس الثاني الصلاة ليست عادة نؤديها بل صلة لا ينبغي أن تنقطع.
قال لقمان ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾.
علمه أن له ربًا يلجأ إليه وأن الدنيا مهما ازدحمت بمشاغلها فلا ينبغي أن تنسيه صلاته.
وهنا رسالة إلى كل أب وأم
لا تسألوا أبناءكم فقط عن درجاتهم في الامتحانات اسألوهم عن صلاتهم وعن أخلاقهم وعن علاقتهم بربهم.
فليس النجاح أن يحصل ابنك على أعلى الدرجات ثم يخسر نفسه.
الدرس الثالث لا تكن صالحا لنفسك فقط كن نافعا للناس.
قال لقمان﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.
أي أن التربية لا تصنع إنسانًا منعزلًا عن مجتمعه وإنما تصنع إنسانا يشعر بمسؤوليته تجاه الآخرين.
علم ابنك أن ينصر الحق وأن يرفض الظلم وأن يساعد المحتاج وأن يكون وجوده في الحياة إضافة لا عبئا
الدرس الرابع علم ابنك الصبر قبل أن تعلمه كيف يطلب النجاح.
قال لقمان﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾.
فالحياة ليست طريقا مفروشا بالورود.
قد يخفق وقد يتعرض للظلم وقد يفقد فرصة وقد يتأخر حلمه.
فلا تربيه على أن الدنيا مدينة له بكل شيء بل علمه كيف ينهض إذا تعثر وكيف يصبر إذا ابتُلي وكيف يحافظ على أخلاقه إذا اشتدت عليه الظروف.
الدرس الخامس لا تجعل النجاح يصنع من ابنك إنسانا متكبرا.
قال لقمان﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾.
لا تتعالَ على الناس ولا تظن أن المال أو المنصب أو الشهادة تمنحك الحق في احتقار الآخرين.
علم ابنك أن يحترم عامل النظافة كما يحترم صاحب المنصب وأن يتعامل مع الفقير كما يتعامل مع الغني.
فالأخلاق لا تتغير بتغير مكانة الإنسان.
الدرس السادس اجعل صوتك جميلا كما تحب أن يكون قلبك جميلا.
قال لقمان﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾.
علم ابنك ألا يجرح الناس بصوته وألا يجعل الغضب وسيلته للحوار وألا يظن أن ارتفاع الصوت دليل قوة.
فكم من إنسان خسر محبة الناس لأنه لم يعرف كيف يتحدث إليهم!
وكم من إنسان كسب القلوب بكلمة طيبة وصوت هادئ!
وهنا نصل إلى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل أب على نفسه
ماذا أريد أن أترك لابني عندما أغادر هذه الحياة؟
بيتا يسكنه؟ أم مالا ينفقه؟ أم اسمًا يتباهى به؟
كل ذلك قد يكون نعمة لكنه لا يغني عن أعظم ميراث
أن تترك إنسانًا يعرف الحلال والحرام ويحفظ لسانه ويصون الأمانة ويبر والديه ويحترم الناس ويخاف الله في السر والعلن.
يا أيها الأب
لا تجعل كل حديثك مع ابنك عن مستقبله الوظيفي وتنسَ مستقبله الإنساني.
ولا تجعل كل اهتمامك بمجموعه الدراسي وتنسَ مجموع أخلاقه.
ولا تفرح فقط عندما يقول الناس ابنك أصبح صاحب منصب!
افرح أكثر عندما يقولون ابنك إنسان محترم، أمين لا يؤذي أحدًا ولا يأكل حق أحد.
ويا أيتها الأم
قد لا تتذكر ابنتك كل الكلمات التي قلتِها لها لكنها لن تنسى كيف عاملتِها وكيف علمتِها احترام نفسها وكيف غرستِ فيها الحياء والرحمة والصدق.
الخلاصة من وصايا لقمان
لا تترك لابنك مالا فقط اترك له عقلا يحسن التصرف فيه.
ولا تترك له اسما فقط اترك له سمعة طيبة يحافظ عليها.
ولا تترك له طريقا مفروشا بالفرص بل اترك له ضميرا يدله على الطريق الصحيح.
فالمال قد ينفد والمنصب قد يزول والجمال قد يتغير لكن التربية الصالحة تظل أثرا ممتدا في حياة الإنسان.
اللهم أصلح أبناءنا وبناتنا واجعلهم قرة أعين لآبائهم وأمهاتهم وارزقنا الحكمة في تربيتهم والرحمة في توجيههم والقدرة على أن نكون لهم قدوة قبل أن نكون لهم أوصياء.
وأختم بأغلى وصية لكل أب وأم
لا تسأل نفسك فقط ماذا سيصبح ابني عندما يكبر؟
بل اسأل أي إنسان سيكون ابني عندما يكبر؟
فليس أعظم نجاح أن تربي ابنا يعرف كيف يصل إلى القمة وإنما أن تربي إنسانا إذا وصل إليها لم ينسَ الله ولم يحتقر الناس ولم ينسَ من أخذوا بيده في الطريق.
الأب الحقيقي لا يورث أبناءه ما يملكه فقط بل يزرع فيهم ما يجعلهم يستحقون ما سيملكونه.








