كتب احمد عسله
بعد فترة من الصمت التزم خلالها الأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه عميد كلية الطب بجامعة الزقازيق ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية احتراما لجهات التحقيق خرج الرجل عن صمته في واقعة أثارت جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي عقب تداول محتوى مصور لسيدة ادعت خلاله فقد رضيعها وطرحت تساؤلات وشكوكا بشأن الطفل المتوفى داخل المستشفى.
وجاء تعليق عميد طب الزقازيق حاسما ومباشرا لكنه حمل في الوقت نفسه قدرا واضحا من التحفظ مؤكدًا أن صمته طوال الفترة الماضية لم يكن تجاهلا للرأي العام وإنما احتراما لمسار التحقيق والجهات المختصة.
قال الدكتور محمود طه في منشوره على الفيس بوك «الآن أتكلم.. التزمت الصمت منذ بداية ظهور القصة احترامًا لجهات التحقيق».
وأضاف أنه كان يتمنى في ظل دولة تواجه تحديات جسيمة أن يتم اللجوء إلى النيابة العامة باعتبارها الجهة المختصة بالتحقيق بدلا من الدخول في دائرة التشهير بمستشفى جامعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
منشور واحد وملف كامل أمام جهات التحقيق
أوضح عميد كلية الطب أن المستشفى تعامل مع الحالة منذ البداية باعتبارها حالة طبية تستوجب الرعاية مشيرا إلى أن الأم جرى استقبالها رغم خطورة الحالة كما تم توفير محضن للرضيع رغم ما وصفه بندرة الحضانات.
أكد أن المستشفى لم يقصر في تقديم الخدمة الطبية وأن كاميرات المراقبة الموجودة بالمستشفى تمثل عنصرا مهما في كشف حقيقة ما جرى موضحا أن التسجيلات منذ دخول الرضيع وحتى الوفاة تمت مراجعتها بمعرفة المباحث والنيابة العامة وفق ما أورده في منشوره.
وهنا ينتقل الدكتور محمود طه بالقضية من فضاء السوشيال ميديا إلى مساحة التحقيق الرسمي فالمستشفى بحسب ما طرحه لم يكتفِ بالرد الكلامي وإنما ترك الكاميرات والسجلات وجهات التحقيق تتولى فحص الواقعة.
اختتم العميد حديثه بكلمات تحمل قدرا من الإنسانية قبل أي شيء آخر «رحم الله الرضيع.. ربنا يصبر الأهل.. ولا تعليق.. ربنا يحفظ البلد من شر الحمقى».
وليد ندا «الآن نتكلم» وتحية للعاملين
ولم يمر منشور الدكتور محمود طه دون تفاعل من الدكتور وليد ندا المدير التنفيذي لمستشفيات جامعة الزقازيق الذي أعلن تأييده لما طرحه عميد كلية الطب ووجه التحية إلى العاملين بالمستشفيات الجامعية.
وكتب الدكتور وليد ندا تعليقا مقتضبا لكنه بالغ الدلالة «فعلاً.. الآن نتكلم.. تحية إعزاز للعاملين بمستشفيات جامعة الزقازيق.. ليلة حزينة لوسائل التواصل الاجتماعي.. سرعان ما يجدون قصصا جديدة».
تكشف كلمات المدير التنفيذي عن حالة من الاستياء داخل المنظومة الطبية مما قد يترتب على تداول رواية غير مكتملة أو غير موثقة عبر مواقع التواصل خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة تقدم خدمة طبية لملايين المواطنين.
4 ملايين و520 ألف خدمة طبية مستشفى يخدم الملايين
لعل وضع الواقعة في سياقها العام يكشف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق مستشفيات جامعة الزقازيق فبحسب بيانات الجامعة عن العام المالي 2025/2026 قدمت المستشفيات 4 ملايين و520 ألفا و721 خدمة طبية وعلاجية وتشخيصية واستقبلت 1,125,434 مترددا بالعيادات الخارجية وأقسام الاستقبال والطوارئ.
شملت الخدمات إجراء 61,278 تدخلا جراحيا بينها 25,430 عملية جراحية كبرى واستقبال 15,716 حالة بوحدات العناية المركزة والتعامل مع 7,860 حالة طوارئ حرجة كما رعت وحدات حديثي الولادة والمبتسرين 5,609 أطفال خلال الفترة نفسها.
هذه الأرقام لا تعني أن أي مؤسسة فوق النقد أو المساءلة لكنها تضع النقاش في إطاره الصحيح مستشفيات جامعية ضخمة تتعامل يوميا مع آلاف الحالات، وتعمل في واحدة من أكثر بيئات العمل الطبي ضغطا وحساسية.
من حق المواطن أن يسأل ومن حق المؤسسة أن تُسمع روايتها
القضية هنا لا ينبغي أن تتحول إلى معركة بين المواطن والمستشفى فمن حق أي أسرة أن تسأل عن طفلها ومن حقها أن تطلب إجابات واضحة ومطمئنة ومن واجب المؤسسات الطبية أن تقدم ما لديها من معلومات للجهات المختصة.
في المقابل فإن من حق المؤسسة الطبية والعاملين بها أيضا ألا تصدر بحقهم اتهامات أو أحكام عبر منصات التواصل قبل انتهاء التحقيقات المختصة.
فالفرق كبير بين النقد المسؤول الذي يطلب الحقيقة وبين التشهير الذي يطلق الاتهام ثم يتركه ينتشر قبل أن تقول الجهات المختصة كلمتها.
الكاميرات أمام الاتهام والنيابة أمام الجميع
والرسالة الأبرز في حديث الدكتور محمود طه هي أن الحقيقة لا ينبغي أن تُستخرج من عدد المشاهدات أو حجم التفاعل وإنما من الأدلة التي تستطيع جهات التحقيق فحصها والتحقق منها.
كاميرات مراقبة سجلات مستندات إجراءات طبية وقرارات صادرة عن الجهات المختصة كل هذه أدوات تستطيع أن تحدد ما حدث بعيدا عن الانفعال والتخمين.
ولهذا جاء تأكيد العميد على أنه التزم الصمت احتراما لجهات التحقيق وهي نقطة مهمة في وقت أصبحت فيه بعض الوقائع تنتقل من المستشفى إلى الهاتف المحمول في دقائق بينما تحتاج الحقيقة نفسها إلى تحقيق وفحص وتدقيق.
«ليلة حزينة لوسائل التواصل» حين يصبح الترند أسرع من الحقيقة
وتحولت كلمات الدكتور وليد ندا إلى عنوان آخر للقضية ماذا يحدث عندما تصبح وسائل التواصل أسرع من جهات التحقيق؟
فالقصة الإنسانية المؤلمة قد تبدأ باستغاثة صادقة ثم تتسع دائرة التفاعل ثم تدخل عليها روايات وتعليقات وتفسيرات وفي النهاية قد يجد آلاف الأشخاص أنفسهم أمام «حقيقة» لم تصدر أصلا عن جهة تحقيق.
وهنا تكمن الخطورة.
فالسوشيال ميديا يمكن أن تكون وسيلة عظيمة لكشف المشكلات والوصول إلى المسؤولين لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى مساحة لمحاكمة الأشخاص والمؤسسات قبل اكتمال الأدلة.
«رحم الله الرضيع» وحق الأسرة لا يتعارض مع حق المستشفى
وبينما تتواصل الإجراءات الرسمية وفق ما أعلنته قيادات المستشفيات يبقى الطفل المتوفى هو الطرف الأكثر ألما في القصة.
رضيع رحل قبل أن يبدأ حياته وأسرة فقدت طفلها وأطباء وممرضون تعاملوا مع حالة طبية شديدة الحساسية ومؤسسة وجدت نفسها فجأة في مواجهة موجة من التساؤلات على مواقع التواصل.
من هنا فإن العدالة تقتضي أن يحصل الجميع على حقه .. حق الأسرة في معرفة الحقيقة كاملة وحق الجهات المختصة في التحقيق بعيدا عن الضغوط وحق المستشفى والعاملين فيه في الدفاع عن سمعتهم إذا ثبت عدم صحة ما نُسب إليهم.
تعليقات العاملين والمتابعين«من حقنا أن نعرف الحقيقة»
وعقب منشور عميد كلية الطب جاءت عشرات التعليقات المؤيدة من متابعين وعاملين بالمستشفيات دارت في مجملها حول ضرورة إظهار الحقيقة ومحاسبة أي شخص يثبت تجاوزه مع التأكيد على أهمية الحفاظ على سمعة المستشفيات الجامعية والعاملين بها.
طالب عدد من المعلقين باتخاذ الإجراءات القانونية في مواجهة ما اعتبروه إساءة أو تشهيرا بالمؤسسة الطبية فيما أكد آخرون أن المستشفى الجامعي يظل أحد أهم الصروح الطبية التي يقصدها المواطنون من الشرقية والمحافظات المجاورة.
ومن بين التعليقات التي لاقت تفاعلا «رحم الله الرضيع.. ولابد من محاسبة كل من تطاول لمنع تكرار هذه الأحداث» فيما كتب آخرون: «حفظ الله مستشفيات جامعة الزقازيق تخدم ملايين المصريين وحفظ الله العاملين فيها».
وطالب تعليق آخر بـ«مقاضاة كل من شارك في حملة التشهير والإساءات والبذاءات بدون دليل» بينما رأى آخرون أن المسار القانوني هو الطريق الصحيح لحماية المؤسسة والعاملين بها.
بين الحزن والجدل تبقى الحقيقة هي الحكم
وفي ختام المشهد تبدو الرسالة الأهم واضحة لا أحد فوق المساءلة ولا أحد يجب أن يكون هدفا للاتهام بلا دليل.
المواطن له حق السؤال والطبيب له حق الاحترام والمريض له حق الرعاية والأسرة لها حق معرفة الحقيقة والمؤسسة لها حق الدفاع عن سمعتها والنيابة والقضاء وحدهما يملكان الكلمة الفصل عندما تتحول الشكوك إلى اتهامات.
أما مواقع التواصل الاجتماعي مهما بلغ تأثيرها فلا ينبغي أن تتحول إلى محكمة بديلة.
وهكذا جاء خروج الدكتور محمود طه عن صمته بعد فترة من الالتزام بالصمت ليضع النقاش في مساره الطبيعي
«الآن نتكلم».. لكن الكلام هذه المرة ليس للترند وإنما للحقيقة والحقيقة كما يقول أهل المهنة لا تحتاج إلى صراخ تحتاج فقط إلى دليل.
الدرندلي قيادة تضع الحقيقة فوق الضجيج وتحمي صروح الزقازيق الطبية
وفي قلب هذا المشهد يطل او يظل الأستاذ الدكتور خالد الدرندلي رئيس جامعة الزقازيق على رأس منظومة جامعية تدرك أن حماية مؤسساتها لا تعني إغلاق باب النقد وإنما تعني إعلاء قيمة الحقيقة والاحتكام إلى القانون والحفاظ على كرامة المرضى والأطباء والعاملين على حد سواء.
فمستشفيات جامعة الزقازيق ليست مجرد مبانٍ تقدم خدمة طبية وإنما صروح علمية وإنسانية تحمل مسؤولية علاج الآلاف يوميا وتعمل في ظروف بالغة الصعوبة وهو ما يجعل دعم العاملين بها وحمايتهم من الاتهامات غير الموثقة مسؤولية لا تقل أهمية عن تطوير الخدمة نفسها.
تأتي كلمات الدكتور محمود طه وما تبعها من تعليق الدكتور وليد ندا لتؤكد أن منظومة مستشفيات جامعة الزقازيق اختارت طريقا واضحا الصمت حين يكون الصمت احتراما للتحقيق والكلام حين تصبح الحقيقة هي التي تتحدث.
ويبقى الدكتور خالد الدرندلي بما تمثله رئاسة الجامعة من مسؤولية أمام رسالة واحدة عنوانها جامعة الزقازيق تحترم القانون تحمي مرضاها وأبناءها وتفتح أبوابها للحقيقة لكن لا تسمح بأن تكون مؤسساتها وعاملوها فريسة للاتهام قبل أن تقول جهات التحقيق كلمتها.
في النهاية قد يعلو صوت الترند ساعات لكن صوت الحقيقة هو الذي يبقى.








