تحقيق احمد عسله
ليس أصعب على العامل من أن يسمع أن زميلا له حصل على حق يطالب هو به منذ سنوات وليس أكثر إيلاما أن يعرف العامل أن هناك مستندات وقرارات ولجانا ودراسات وسوابق صرف ثم يظل السؤال معلقا متى نحصل نحن أيضا على حقوقنا؟ هذه هي خلاصة أزمة العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف.
فالقضية التي بدأت مع إلغاء الهيئة ونقل العاملين إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركاتها التابعة بموجب القانون رقم 13 لسنة 2007 لم تنتهِ بانتهاء عملية النقل.
بل بدأت معها رحلة أخرى من المطالبات حول الحقوق والمزايا التأمينية.
والعاملون اليوم لا يطالبون – بحسب ما يؤكدونه – بمزية جديدة وإنما يتمسكون بصرف مستحقات وثيقة تأمين كهربة الريف بواقع 50 شهرا على آخر مرتب شامل إلى جانب ميزة الـ12 شهرا على آخر مرتب أساسي لكن السؤال الذي يفرض نفسه
لماذا اختلفت النتائج بين العاملين إذا كانت بداية قصتهم واحدة؟
القانون واحد ولكن هل كان التطبيق واحدا؟
العاملون الذين تم نقلهم من هيئة كهربة الريف يؤكدون أن عملية النقل تمت استنادا إلى القانون رقم 13 لسنة 2007.
ومن وجهة نظرهم فإن وحدة القانون تقتضي دراسة المراكز القانونية للعاملين بصورة موحدة.
لكنهم يشيرون إلى وجود زملاء حصلوا بالفعل على مستحقات وثيقة التأمين وميزة الـ12 شهرا.
وهنا تبدأ القضية الحقيقية
فإذا كان الصرف قد تم بالفعل فلابد من معرفة ما الأساس القانوني الذي تم الصرف بناء عليه؟ وما المركز القانوني لمن حصل؟
وهل يختلف عن المركز القانوني لمن لم يحصل؟ وهل يوجد قرار أو لائحة أو تاريخ محدد للنقل أدى إلى اختلاف المعاملة؟
إنها أسئلة بسيطة لكنها قادرة على حسم سنوات من الجدل إذا تمت الإجابة عنها بالمستندات.
لا أحد يعترض على حق زميله ومن المهم أن نقولها بوضوح العاملون بكهربة الريف لا يطالبون بحرمان أي زميل من حق حصل عليه.
بل يقولون إذا كان زميلنا قد حصل على حقه فنحن نريد حقنا أيضا إذا كنا نستوفي الشروط نفسها.
وهذه ليست دعوة للمساواة في الحرمان بل هي دعوة للمساواة في الحقوق فالعدالة لا تعني أن نسأل لماذا أخذ فلان؟
بل أن نسأل هل أنا أستحق وفقا للقانون؟
إذا كانت الإجابة نعم فليُصرف الحق.
وإذا كانت لا فليقدم المسؤولون السند القانوني.
الوزراء تغيروا والملف بقي
على مدار السنوات تعاقب وزراء وقيادات على قطاع الكهرباء ويؤكد العاملون أن ملف حقوقهم ظل حاضرًا في مخاطباتهم ومطالباتهم وأنه لم يصدر – بحسب ما يستندون إليه – قرار ينهي حقوقهم أو يلغيها بصورة صريحة ثم جاءت اللجنة المشكلة بالقرار الوزاري رقم 344 لسنة 2016.
اللجنة لم تكن لجنة شعبية أو عمالية.
بل ضمت قيادات من الوزارة وكان من بينها المهندس أسامة عسران نائب الوزير في ذلك الوقت، إلى جانب قيادات قانونية.
وهنا يصبح السؤال ماذا حدث لتوصيات اللجنة؟هل تم تنفيذها؟ هل تم رفضها؟ هل تم تعديلها؟ هل توجد فتوى قانونية نهائية تمنع التنفيذ؟أم أن الملف ظل في دائرة الدراسة؟
الدراسة الاكتوارية لماذا لم تحسم الخلاف؟
الدراسة الاكتوارية يفترض أن تكون أداة لحسم الخلاف المالي فبدلا من أن يقول طرف إن التكلفة كبيرة يقول الحساب الاكتواري هذه هي التكلفة.وبدلًا من التقديرات تكون هناك أرقام.
ولهذا فإن العاملين يطالبون بأن تكون الدراسة الاكتوارية التي تمت مع شركة مصر للتأمين واضحة ومعلنة من حيث نتائجها الأساسية.
كم عدد المستحقين؟
كم إجمالي الالتزام؟
كم حجم الموارد الموجودة؟
كم قيمة الاشتراكات المطلوبة؟
وما السيناريوهات الممكنة للتنفيذ؟
إذا عرف الجميع الأرقام يصبح الحل أقرب.
العبء المالي سؤال مشروع
تقول الشركة – بحسب ما ينقله العاملون – إن قطاع الكهرباء يواجه أعباء مالية كبيرة.
وهذا أمر لا يمكن تجاهله.
لكن السؤال هل العبء المالي وحده يكفي لرفض حق ثبتت أحقية صاحبه فيه؟
وإذا كانت المشكلة تمويلية فلماذا لا يتم بحث حلول تمويلية؟
هل يمكن التقسيط؟
هل يمكن إعادة هيكلة الوثيقة؟
هل يمكن الاستفادة من مواردها؟
هل يمكن أن تتحمل الأطراف المختلفة نسبا متوازنة؟
هل يمكن وضع جدول زمني للصرف؟
كل هذه حلول يمكن بحثها بدلا من أن يظل العامل في انتظار مفتوح.
حين تتحدث المقارنة
العاملون يقدمون نماذج أخرى داخل قطاع الكهرباء.
موظفون انتقلوا من جهات إلى جهات أخرى واستفادوا من مزايا.
قيادات انتقلت بين شركات واحتفظت ببعض المزايا وفقًا للقرارات المنظمة.
عاملون من كهربة الريف في جنوب الصعيد تمكنوا – بحسب ما يذكره أصحاب القضية – من الجمع بين بعض المزايا المرتبطة بوثيقة كهربة الريف ومزايا وثيقة الشركة الجديدة بعد موافقات رسمية.
وموظفون من شركة النصر للإسكان والتعمير انتقلوا إلى شركة جنوب القاهرة لتوزيع الكهرباء، ويقول العاملون إنهم استفادوا من أنظمة ومزايا الجهتين وفقًا لما سمحت به القرارات المنظمة لحالاتهم.
مرة أخرى
ليس الاعتراض على أحد.
بل السؤال ما القاعدة؟
إذا كانت القاعدة تسمح بهذا في ظروف معينة، فما شروطها؟
وإذا كانت لا تسمح، فكيف حدث؟
القانون لا يعمل بالانطباع
وهنا نصل إلى نقطة شديدة الأهمية.
لا يجوز أن تحسم ملفات الحقوق بالتقديرات الشخصية.
ولا بعبارة
«الشركة لا تتحمل».
ولا بعبارة:
«هناك أعباء مالية».
ولا بعبارة:
«هناك حكم قضائي».
كل هذه أمور يجب أن تكون وراءها مستندات.
الحكم القضائي له حيثياته.
والقرار الإداري له نطاقه.
والتوصية لها قيمتها القانونية والإدارية.
والدراسة الاكتوارية لها أرقامها.
والحسابات لها دفاترها.
والحق المالي له مستنده.
وبالتالي فإن المطلوب هو وضع كل هذه الأوراق على مائدة واحدة.
400 مليون جنيه هل تكفي الإجابة الحسابية؟
العاملون يتحدثون عن ودائع مرتبطة بوثيقة التأمين تتجاوز 400 مليون جنيه.
وهذا الرقم – إذا تأكد رسميا – يستوجب بيانا واضحا عن طبيعته ومصدره وحركة الحساب وأوجه استخدامه.
فهل هذه الودائع لا تزال قائمة؟
هل تم استثمارها؟
هل تحقق عائدا؟
ما قيمة العوائد؟
ومن المستفيد منها؟
وما علاقتها بالتزامات الوثيقة؟
أسئلة مالية بحتة وإجابتها يجب أن تكون من الحسابات الرسمية.
الأصول الجزء الآخر من القصة
كما يتحدث العاملون عن أصول ومهمات ومخازن ومعدات ومشروعات انتقلت من هيئة كهربة الريف إلى الجهات الجديدة.
وهنا لا بد من فصل العاطفة عن الحسابات.
إذا انتقلت الأصول، فهناك مستندات نقل.
وإذا كانت لها قيمة، فهناك قيود محاسبية.
وإذا انتقلت الالتزامات معها، فهناك مستندات تثبت ذلك.
إذن أين ملف التسوية المالية والإدارية الكامل لهيئة كهربة الريف عند إلغائها؟
ربما يكون هذا الملف هو المفتاح الحقيقي لحسم كثير من الأسئلة.
الأحكام القضائية آخر محطة قبل القرار
العاملون يقولون إن هناك أحكامًا قضائية لمصلحة بعض زملائهم، وأخرى خسرها آخرون ولا يمكن تجاهل أي منها لكن الحل ليس في استخدام الأحكام كسلاح إعلامي.
الحل في أن تقوم الجهات القانونية بدراسة:
موضوع كل دعوى.
المركز القانوني لصاحبها.
سبب الحكم.
درجته.
مدى نهائيته.
وهل يمكن الاستناد إليه في حالات أخرى أم لا وبعدها تصدر خلاصة قانونية واحدة واضحة.
لماذا نحتاج إلى قرار نهائي؟
لأن استمرار الملف يعني استمرار الضرر.
عاملون ينتظرون.
متقاعدون ينتظرون.
أسر تنتظر.
وأصحاب حقوق محتملون يخشون أن يمر الوقت دون حسم.
ولذلك فإن المطلوب ليس فتح الملف للمرة المائة.
المطلوب إغلاقه.
لكن إغلاقه بالحق والقانون.
إلى وزير الكهرباء.. هذه ليست معركة بين طرفين
سيادة الوزير
العاملون بكهربة الريف لا يطلبون منك الانحياز ضد الشركة القابضة.
ولا يطلبون إهدار المال العام.
ولا يريدون تحميل قطاع الكهرباء ما لا يستطيع تحمله.
هم يطلبون شيئًا أبسط
راجعوا الملف من أوله إلى آخره.
راجعوا القانون.
راجعوا المذكرات.
راجعوا توصيات اللجنة.
راجعوا الدراسة الاكتوارية.
راجعوا الحسابات.
راجعوا مستندات الصرف السابقة.
راجعوا الأحكام القضائية.
راجعوا حالات العاملين الذين استفادوا من مزايا جهاتهم السابقة والجديدة.
ثم ضعوا قاعدة واحدة.
من يستحق يحصل على حقه.
ومن لا يستحق يعرف لماذا لا يستحق.
العدل ليس أن يحصل البعض على كل شيء
العدل ليس أن يأخذ موظف حقه ثم نقول للآخر
«لا توجد أموال».
والعدل ليس أن يحصل البعض على مزايا جهتين، ثم يقال للعاملين بكهربة الريف إن المطالبة بحقوقهم عبء على قطاع الكهرباء.
والعدل ليس أن تختلف الإجابات باختلاف الأشخاص.
العدل أن يكون هناك معيار واضح
واحد معلن مكتوب يطبق على الجميع.
حق العامل لا يجب أن يشيخ
مرت السنوات.
وكبر العامل.
وخرج إلى المعاش.
وربما رحل بعض أصحاب المطالب قبل أن يروا نهاية القضية.
لكن الحق – إن ثبت – لا ينبغي أن يسقط بمجرد مرور الزمن.
والعامل الذي أمضى سنوات عمره في خدمة قطاع الكهرباء يستحق أن يعرف أين يقف حقه.
لذلك فإن ملف كهربة الريف يحتاج اليوم إلى قرار لا يحتمل التأجيل إما صرف الحقوق لمن تثبت أحقيتهم، وإما إعلان السند القانوني الذي يمنع الصرف.
أما أن يظل العامل بين هذا وذاك، ينتظر لجنة بعد لجنة، ودراسة بعد دراسة، وردًا بعد رد، فهذه ليست نهاية تليق بملف عمره 19 عاما.
لا نريد أكثر من قاعدة واحدة من له حق يأخذه ومن ليس له حق يعرف لماذا وهذه ليست مطالبة بالامتياز إنها مطالبة بالعدالة.







