دعونا نواجه أنفسنا بحقيقة قد لا تعجب كثيرين: لقد دخلنا مرحلة لم تعد فيها الأسرة وحدها هي المسؤولة عن تشكيل وعي أبنائها ولم تعد المدرسة وحدها هي التي تنافسها في التأثير بل ظهر منافس شرس يجلس في أيدي الأطفال ويرافقهم إلى غرف نومهم ويصاحبهم على موائد الطعام ويسهر معهم حتى ساعات الفجر ويعرف عنهم ما قد لا يعرفه أقرب الناس إليهم.
إنه الهاتف المحمووول!
ذلك الجهاز الذي بدأ وسيلة للتواصل والمعرفة ثم تحول في بيوت كثيرة إلى مربي بديل ومصدر للتوجيه ومصنع للأفكار وبوابة مفتوحة على عوالم لا تعرف الأسرة في كثير من الأحيان ماذا يدور داخلها.
يا سادة نحن لا نتحدث عن جهاز إلكتروني ولا عن وسيلة ترفيه عابرة وإنما نتحدث عن عقل طفل تتشكل أفكاره ووجدان مراهق تتكون شخصيته وأجيال تتلقى يومياً آلاف الرسائل والصور والمقاطع التي قد تصنع وعيها قبل أن تستطيع الأسرة حتى أن تسألها ماذا تشاهدون؟!
لقد أصبح بعض الآباء يعرفون كلمة مرور الهاتف لكنهم لا يعرفون شيئاً عن الأفكار التي استقرت في عقول أبنائهم!
يعرفون نوع الهاتف وسعره ومواصفاته ويحرصون على شراء أحدث الإصدارات لكنهم لا يعرفون من يتابعه أبناؤهم ولا من يؤثر فيهم ولا ما الذي يشاهدونه ولا أي قيم يتلقونها ولا أي نماذج بشرية يتخذونها قدوة.
أب ينشغل بعمله وأم تستغرق في مسؤولياتها وطفل يجلس منفرداً أمام شاشة لا تنام يتنقل من مقطع إلى آخر، ومن حساب إلى آخر ومن فكرة إلى أخرى دون رقابة واعية أو حوار أسري أو توجيه يحميه من الانجراف.
ثم نسأل بعد ذلك لماذا تغيرت لغة أبنائنا؟ ولماذا تراجعت قدرتهم على التركيز؟ ولماذا أصبحوا أكثر عصبية؟ ولماذا لم تعد بعض القيم التي تربينا عليها تجد طريقها إلى نفوسهم؟!
من الذي أقنعنا بأن إعطاء الطفل هاتفاً ذكياً هو دليل على تقدمنا حتى لو كان عقل الطفل لا يزال عاجزاً عن التمييز بين النافع والضار؟!
المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها فالعالم يتقدم والمعرفة أصبحت في متناول الجميع والتقنيات الحديثة يمكن أن تفتح أمام أبنائنا أبواباً واسعة للعلم والابتكار والإبداع.
لكن المشكلة في أن نترك أبناءنا أمام هذا العالم بلا بوصلة ونمنحهم أدوات تفوق قدرتهم على الاختيار ثم نلومهم عندما يضلون الطريق.
هناك فرق هائل بين طفل يستخدم التكنولوجيا ليتعلم وطفل تستخدمه الخوارزميات لتوجيه اهتماماته وتشكيل عاداته.
وهناك فرق بين أن يكون الهاتف نافذة على العالم وأن يصبح العالم كله محصوراً في شاشة صغيرة تسرق من الطفل وقته وعلاقاته واهتماماته.
وهناك فرق بين أن نربي طفلاً على التفكير والبحث والمناقشة وأن نتركه يستهلك ما يقدم إليه دون سؤال أو مراجعة.
إن أخطر ما تفعله بعض المنصات ليس أنها تسرق ساعات من أعمار أبنائنا، وإنما أنها قد تسرق منهم القدرة على اختيار ما يستحق أن يشغل عقولهم!
انظروا إلى بعض ما يتصدر المشاهدات وإلى نماذج الشهرة السريعة وإلى المحتوى الذي يكافئ الصخب والاستعراض والسخرية والتجاوز وإلى أشخاص أصبحوا قدوات لدى بعض الصغار لمجرد أنهم يمتلكون ملايين المتابعين!
أصبح الطفل أحياناً يعرف أسماء مشاهير المنصات وتفاصيل حياتهم وأحدث ملابسهم ومشكلاتهم اليومية أكثر مما يعرف عن علمائه ومبدعي وطنه وأبطاله ورموزه.
وأصبح بعض الأبناء يقيسون النجاح بعدد المشاهدات والقيمة بعدد المتابعين والشخصية بمدى القدرة على جذب الانتباه حتى لو كان الثمن التخلي عن الخصوصية والذوق والحياء.
فهل هذه هي القدوة التي نريدها لأبنائنا؟ وهل هذا هو الوعي الذي ننتظر أن يصنع المستقبل؟!
والأخطر من ذلك أن بعض الأطفال والمراهقين أصبحوا يقارنون حياتهم العادية بما يرونه من صور منتقاة ومظاهر استعراضية على الشاشات فينشأ لدى بعضهم شعور بالنقص أو السخط أو الرغبة في تقليد أنماط حياة لا تناسب أعمارهم ولا ظروف أسرهم.
إننا أمام معركة على الانتباه ومن يملك انتباه الطفل زمناً أطول قد يملك مساحة أوسع للتأثير في أفكاره وسلوكه.
وهنا أسأل كل أب وأم هل تعرفان ماذا يشاهد ابنكما عندما يغلق باب غرفته؟ وهل تعرفان من يتحدث إليه؟ وهل تعرفان ما الذي يضحكه وما الذي يغضبه وما الذي أصبح يشغله أكثر من دراسته وأسرته وحياته؟!
لا أقول ذلك دعوة إلى التجسس على الأبناء أو مصادرة خصوصيتهم وإنما دعوة إلى الرقابة الواعية والحوار والثقة المصحوبة بالمسؤولية وإلى أن يعرف الأبوان العالم الذي يعيش فيه أبناؤهما بدلاً من الاكتفاء بإلقاء الأوامر من بعيد.
لا تتركوا الطفل يتعلم وحده كيف يتعامل مع عالم مفتوح على كل الاحتمالات.
ولا تنتظروا وقوع المشكلة حتى تبحثوا عن أسبابها.
ولا تجعلوا الهاتف مكافأة دائمة عند الهدوء أو وسيلة لإسكات الطفل عند الانشغال أو بديلاً عن اللعب والحوار والقراءة والأنشطة والحياة الطبيعية.
فالطفل يحتاج إلى من يسمعه لا إلى شاشة تشغله ويحتاج إلى من يناقشه لا إلى مقاطع متلاحقة تملأ رأسه ويحتاج إلى قدوة حقيقية يراها في البيت لا إلى شخصيات افتراضية لا يعرف عنها إلا ما تختار أن تعرضه أمام الكاميرا.
يا أولياء الأمور لا تشتروا لأبنائكم أحدث الهواتف ثم تتركوهم يواجهون وحدهم أخطر ما في العالم الرقمي!
علموهم أن ليس كل مشهور قدوة وليس كل متداول حقيقة وليس كل ما يثير الضحك يستحق المشاهدة وليس كل ما هو متاح يصلح للاستهلاك.
علموهم أن يحترموا خصوصيتهم وخصوصية الآخرين وألا يشاركوا بياناتهم وصورهم ومعلوماتهم مع الغرباء وأن يطلبوا المساعدة عندما يتعرضون للتنمر أو الابتزاز أو أي محتوى يزعجهم أو يهدد سلامتهم.
ضعوا قواعد أسرية واضحة لاستخدام الأجهزة تتناسب مع أعمارهم واحتياجاتهم وكونوا أنتم أول من يلتزم بها.
فلا يعقل أن نطلب من الطفل أن يترك هاتفه بينما نجلس نحن ساعات طويلة أمام هواتفنا ولا يعقل أن نطالبه بالقراءة ونحن لا نقرأ ولا أن نطالبه بالحوار ونحن لا نمنحه من وقتنا إلا القليل.
التربية ليست تعليمات نصدرها للأبناء وإنما سلوك يراقبونه فينا ويقلدونه دون أن نشعر.
وللمدرسة دور لا يقل أهمية فالتعليم اليوم لم يعد مجرد تلقين معلومات بل أصبح من الضروري أن يتضمن بناء الوعي الرقمي وتعليم الطلاب التحقق من المعلومات والتمييز بين الحقيقة والتضليل واحترام الآخر على الإنترنت والتعامل الآمن والمسؤول مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
كما أن الإعلام مطالب بألا يكتفي بملاحقة المحتوى المثير وإنما عليه أن يمنح المساحة المستحقة للنماذج الناجحة والمبدعة وأن يقدم لأبنائنا قدوات تستحق الاقتداء.
إننا لا نستطيع أن نغلق أبواب العالم في وجه أبنائنا ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك لكننا نستطيع أن نمنحهم من الوعي ما يحميهم ومن القيم ما يوجههم ومن الثقة ما يجعلهم قادرين على الاختيار الصحيح.
إن الهاتف لا يربي وحده لكنه يستطيع أن يملأ الفراغ الذي تركناه نحن.
وإذا لم نكن حاضرين في حياة أبنائنا بالحوار والاهتمام والقدوة فلا نتعجب إذا أصبح الغرباء أكثر تأثيراً فيهم منا.
وأختم بسؤال أرجو أن يطرحه كل أب وأم على نفسيهما قبل النوم
كم ساعة قضيتها اليوم مع هاتفك؟ وكم دقيقة منحتها لابنك تستمع إليه فيها دون أن تنشغل بشيء آخر؟!
قد تشتري لابنك أغلى هاتف وتمنحه أسرع إنترنت وتفتح أمامه كل منصات العالم لكنك إذا لم تمنحه عقلا يميز وضميراً يراقب وقلباً يعرف الصواب فقد تكون قد فتحت له أبواباً لا تعرف كيف تحميه من مخاطرها.
لا تتركوا أبناءكم يتعلمون الحياة من شاشة بينما أنتم أحياء بجوارهم.
فالهاتف قد يمنحهم المعلومات والمنصات قد تمنحهم الشهرة والتكنولوجيا قد تمنحهم أدوات المستقبل لكن الأسرة وحدها شريك أصيل في غرس القيم التي تجعلهم جديرين بهذا المستقبل.
فمن لا يحجز لنفسه مكاناً في عقل ابنه وقلبه فلا يلومنّ غيره إذا احتل ذلك المكان!








