ليست الأم مجرد إنسانة تنجب طفلاً وتطعمه وتكسوه وتسهر على راحته ثم تنتظر منه أن يكبر ويصبح إنساناً صالحاً.
الأم رسالة تتجاوز حدود الرعاية اليومية ومؤسسة تربوية كاملة تتشكل بين يديها الملامح الأولى لشخصية الإنسان وتُزرع في وجدانه بذور الخير والشر والاحترام والاستهانة والصدق والكذب والرحمة والقسوة.
ولذلك لم تكن مقولة «الأم مدرسة» مجرد عبارة أدبية جميلة وإنما حقيقة تربوية عميقة فالطفل يتعلم من أمه قبل أن يتعلم من كتاب ويقرأ سلوكها قبل أن يقرأ حروف الهجاء ويحفظ نبرة صوتها وطريقة تعاملها مع الناس قبل أن يفهم كثيراً من معاني الحياة.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم دون تجريح أو تعميم أو مصادرة لتضحيات الأمهات:
إذا كانت الأم مدرسة فمن يربي المدرسة؟!
من يذكرها بأن التربية ليست إطعاماً وإلباساً فقط؟ ومن يعينها على صناعة شخصية متوازنة؟ ومن يشاركها مسؤولية ضبط السلوك وبناء الضمير؟ ومن يراجع معها تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية لكنها تصنع في النهاية إنساناً أو تهدمه؟
نحن أمام واقع لا يجوز أن نتجاهله.
أم تشتكي من سوء ألفاظ ابنها، بينما يسمع في البيت ألفاظاً لا تليق.
وأخرى تتألم من عدم احترام ابنتها للكبار، بينما تشاهد ابنتها كيف تُهان الجدة أو يُنتقص من قدر الأب.
وثالثة تطالب المدرسة بالانضباط لكنها لا تضع في البيت أي قواعد واضحة للنوم أو الدراسة أو استخدام الهاتف.
ورابعة تريد من ابنها أن يكون صادقاً بينما تطلب منه أن ينكر وجودها عندما يتصل بها شخص لا ترغب في الحديث معه!
وهنا يجب أن نتوقف.
كيف نطلب من الطفل أن يتعلم قيمة لم يرها وأن يحترم قاعدة لا يلتزم بها الكبار أمامه وأن يقول الحقيقة بينما يرى التناقض يسكن تفاصيل حياته اليومية؟!
يا سيدتي.. ابنك لا يتعلم منك فقط عندما تجلسين لتوجهيه بل يتعلم منك وأنت تتحدثين وأنت تغضبين وأنت تختلفين مع الآخرين وأنت تتعاملين مع الخادمة أو البائع أو الجار وأنت تحترمين الكبير وتعطفين على الصغير.
إنه يراقبك أكثر مما تتصورين ويختزن من تصرفاتك ما قد لا تستطيعين محوه بمئات النصائح.
قد تقولين له: لا تكذب لكنه يراك تكذبين.
وقد تطلبين منه احترام الآخرين لكنه يسمع منك السخرية منهم.
وقد تنصحينه بالتواضع لكنه يشاهدك تتعاملين بتعالٍ مع من هم أقل منك مكانة أو مالاً.
وقد تطالبينه بالرحمة بينما يرى قسوة في التعامل مع من لا يملك قوة الدفاع عن نفسه.
إن الطفل لا يحتاج إلى أم تحفظه مائة نصيحة، بقدر ما يحتاج إلى أم يرى في سلوكها مائة درس!
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الأم ليست وحدها المسؤولة عن كل ما يحدث.
فقد وضع المجتمع على كتفيها أعباء تفوق طاقتها أحياناً فهي مطالبة بالعمل وإدارة المنزل ومتابعة الدراسة ورعاية الأبناء ومواجهة أعباء الحياة ثم تُحاسب وحدها إذا تعثر أحد الأبناء أو انحرف سلوكه!
أين الأب في هذه المعادلة؟ وأين مسؤولية الأسرة الممتدة؟ وأين دور المدرسة والإعلام والمجتمع؟
لا يجوز أن نطالب الأم بأن تكون حاضرة في كل لحظة وأن تتحمل وحدها كل تقصير بينما يغيب الأب عن دوره وتغيب المشاركة وتُترك الأسرة في مواجهة تحديات تربوية متزايدة دون سند كافٍ.
الأم ليست مطالبة بأن تكون أباً وأماً ومدرسة ومؤسسة علاجية في وقت واحد لكنها شريك أصيل لا غنى عنه في صناعة الوعي.
وهناك قضية أخرى تستحق وقفة جادة بعض الأمهات بدافع الحب والخوف يتحولن دون قصد إلى حاجز بين الأبناء وبين تحمل المسؤولية.
تؤدي الأم واجبات الابن بدلاً منه وتدافع عنه في كل خلاف وتخفي أخطاءه وتبرر تقصيره وتطلب من الجميع أن يراعوا ظروفه ومزاجه ثم تتساءل لماذا أصبح اتكالياً ولماذا لا يعتمد على نفسه ولماذا لا يتحمل كلمة نقد!
يا سيدتي ليس من الحب أن ترفعي عن ابنك كل مسؤولية وليس من الرحمة أن تمنعيه من الاعتراف بخطئه وليس من الأمومة أن تنتصري له في كل موقف حتى لو كان على حساب الحقيقة.
أحياناً تكون أعظم خدمة تقدمينها لابنك أن تقولي له أنت أخطأت وعليك أن تصلح خطأك.
علميه أن الاعتذار لا ينتقص من كرامته وأن احترام المعلم واجب وأن العمل ليس عيباً وأن الاعتماد على النفس قيمة وأن النجاح لا يأتي بالدلال وحده.
وعلميه أن الفتاة ليست أقل قيمة من الفتى وأن احترام المرأة ليس مجاملة وأن الرجولة ليست صوتاً مرتفعاً ولا تسلطاً وإنما مسؤولية وخلق ومروءة.
وعلمي ابنتك أن كرامتها في علمها وأخلاقها وشخصيتها وأن الثقة بالنفس لا تعني التقليل من الآخرين وأن الاحترام المتبادل أساس كل علاقة إنسانية سليمة.
ولا تنسي أن ابنك يتعلم منك أيضاً كيف ينظر إلى المرأة وكيف يحترم زوجته مستقبلاً، وكيف يتعامل مع بنات وكيف يكون إنساناً سوياً في علاقاته.
إن الأم لا تربي طفلاً يعيش معها اليوم فقط بل تسهم في تربية رجل سيعيش في المجتمع غداً وامرأة ستصنع بيتاً آخر بعد سنوات.
وهنا نصل إلى مسؤولية الأب، الذي لا يجوز أن يقف متفرجاً على معركة التربية ثم يطالب الأم بالنتائج.
شارك زوجتك واستمع إليها وكن حاضراً في التفاصيل ولا تجعل من الأبوة سلطة تظهر عند العقاب وتختفي عند الرعاية.
فالأب الذي يختلف مع الأم أمام الأبناء ويهدم قراراتها التربوية ويطالبهم باحترامها بينما ينتقص من قدرها، يهدم بيديه جزءاً كبيراً مما تحاول بناءه.
والأم التي تهدم صورة الأب أمام أبنائه وتحول الخلافات الزوجية إلى ساحة لتصفية الحسابات ترتكب خطأً تربوياً لا يقل خطورة.
لا يمكن أن نصنع جيلاً يحترم الأسرة إذا كان يشاهد الاحترام غائباً بين أفرادها.
أما المدرسة فعليها أن تتعامل مع الأسرة باعتبارها شريكاً لا خصماً وأن تفتح قنوات حوار حقيقية مع أولياء الأمور وأن تتعاون معهم في علاج المشكلات السلوكية بعيداً عن تبادل الاتهامات وإلقاء المسؤوليات.
فلا المدرسة تستطيع أن تنجح وحدها ولا الأسرة تستطيع أن تستغني عن المدرسة.
نحتاج إلى أم واعية وأب مشارك ومدرسة محترمة ومعلم يؤدي رسالته ومجتمع لا يهدم في الشارع ما نحاول بناءه داخل البيوت.
يا كل أم..
لا تقيسي نجاحك بعدد الدروس التي تلقاها أبناؤك ولا بعدد الشهادات التي حصلوا عليها ولا بما ترتدينه لهم من ملابس ولا بما تضعينه أمامهم من طعام.
اسألي نفسك هل يستطيع ابني أن يعتذر عندما يخطئ؟ هل تحترم ابنتي من يختلف معها؟ هل يعرف أبنائي قيمة العمل؟ هل يشعرون بآلام الآخرين؟ هل يراقبون الله عندما لا يراهم أحد؟ هل يستطيعون التمييز بين الحرية والانفلات، وبين القوة والعدوان، وبين الثقة والغرور؟
هذه هي الامتحانات التي تستحق أن تقلقي بشأنها.
فقد تنجحين في إعداد ابنك للحصول على أعلى الدرجات، لكن النجاح الأكبر أن تربيه حتى لا يستخدم علمه في ظلم إنسان ولا يستخدم قوته في قهر ضعيف ولا يستخدم مكانته في إهدار حق.
تحية لكل أم تحملت وضحت وسهرت وصبرت وربت أبناءها على القيم ولم تجعل من ظروف الحياة مبرراً للتخلي عن رسالتها.
وتحية لكل أب أدرك أن التربية ليست مهمة زوجته وحدها وأن أبناءه يحتاجون إليه شريكاً وقدوة وسنداً.
ولنتذكر جميعاً أن بناء الإنسان يبدأ من البيت وأن أول مدرسة يدخلها الطفل ليست تلك التي تحمل اسماً على لافتة وإنما البيت الذي يتعلم فيه كيف يحب ويحترم ويصدق ويتحمل المسؤولية.
الأم مدرسة بالفعل لكن المدرسة تحتاج إلى من يحترم رسالتها ويعينها على أداء دورها ويشاركها المسؤولية ويكون هو نفسه قدوة صالحة أمام أبنائها.
فلا تطلبوا من المدرسة أن تربي أبناءكم قبل أن تتعلموا أنتم كيف تكونون مدرسة لهم.









