كتب احمد عسله
أهالي القرية انتظروا قطار الرئيس الأمريكي محملا بالمعجزات فإذا بالقطار يمر وتبقى الأحلام معلقة على رصيف الانتظار رسالة الأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه لا تراهن على قطار لا يراك ولا تنتظر خيرا من قوة لا تتحرك إلا لمصلحتها ليس مهما من يجلس في القطار مسلما كان أو مسيحيا أو يهوديا فالقوة التي تحكمها المصالح لا توزع عطاءها على أساس العقيدة وإنما على أساس ما تريده هي!
فمن أجمل ما في الأدب أنه لا يحكي الحكايات لمجرد التسلية وإنما يترك خلف كل حكاية نافذة نطل منها على أنفسنا ونرى من خلالها أخطاءنا وأوهامنا وربما نكتشف أن بعض ما نظنه جديدا قد حذرنا منه الأدب قبل عقود.
من هذه النوافذ تأتي رسالة الأستاذ الدكتور محمود مصطفى طه عميد كلية الطب بجامعة الزقازيق ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية مستدعيا رواية الكاتب الكبير يوسف القعيد «يحدث في مصر الآن» التي تحولت سينمائيا إلى فيلم «زيارة السيد الرئيس» بطولة الفنان الراحل محمود عبد العزيز والفنان الراحل نجاح الموجي.
تدور الحكاية حول قرية الضهرية التي يصل إلى أهلها خبر أن قطارا يحمل الرئيس المصري وضيفه الرئيس الأمريكي سيمر بالقرية وأنه قد يتوقف عندها فتتحول القرية الهادئة إلى خلية من الحركة والانتظار ويبدأ كل واحد في نسج أحلامه على مقاس ما يتوقعه من زيارة الرئيس الأمريكي والمعونة المنتظرة.
فجأة يصبح مرور القطار حدثا استثنائيا وتتحول القرية إلى مسرح كبير تتبدل فيه السلوكيات وتظهر المصالح والأطماع ويتسابق البعض لتجميل الصورة ويصبح كل شيء معلقا على لحظة وصول القطار.
لكن المفاجأة أن القطار يمر ولا يتوقف وتبقى القرية أمام خيبة الانتظار بعدما اكتشف أهلها أن ما بنوه من أحلام لم يكن أكثر من سراب.
هنا تبدأ دلالة الرسالة التي يستخرجها الدكتور محمود طه من الحكاية
فالقطار الأمريكي لا يتوقف لأحد ولا يحمل الخير لأحد لمجرد أنه ينتظره إنه قطار تحركه حسابات القوة والمصلحة وليس مشاعر الشفقة أو الوعود أو أحلام البسطاء. ومن يجلس داخله أيا كانت عقيدته أو هويته لا يغير ذلك من طبيعة المسار الذي يسير فيه القطار فالدول الكبرى لا تبني سياساتها على العواطف ولا تمنح الآخرين ما يتمنونه لمجرد أنهم أحسنوا استقبالها أو بالغوا في انتظارها.
هنا لا بد أن نتوقف أمام معنى بالغ الأهمية ليس المقصود أن كل علاقة مع الولايات المتحدة أو أي قوة دولية لا يمكن أن تحقق منفعة متبادلة ولا أن التعاون الدولي مرفوض وإنما المقصود أن السذاجة السياسية تبدأ عندما نخلط بين المصالح المتبادلة وبين انتظار المنح والهبات وبين التعامل الندي وبين التعلق بوعد الخارج.
فالدول لا تُدار بالأمنيات ولا تُبنى بالتعلق بقطار الآخرين ولا تصنع مستقبلها بمجرد أن تزين المحطات استعدادا لاستقبال زائر قوي.
والأكثر إيلاما في الحكاية أن القرية لم تكن تنتظر مجرد رئيس يمر بل كانت تنتظر خلاصا يأتيها من الخارج ولذلك تغيرت أحوالها قبل أن يصل القطار وبدت استعداداتها وكأنها أهم من احتياجاتها الحقيقية.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كم مرة علقنا آمالنا على زيارة مسؤول أو وعد مسؤول أو تدخل جهة خارجية بينما تركنا أسباب الإصلاح الحقيقية معلقة؟ وكم مرة انتظرنا أن يأتينا الحل من بعيد ولم نبدأ من حيث نقف؟
إن أخطر ما في ثقافة انتظار القطار أن يتحول الإنسان من صاحب حق وصاحب إرادة إلى متفرج على حركة الآخرين يراقب المواعيد ويتابع الإشارات ويصنع من كل مرور مناسبة للأمل دون أن يسأل نفسه ماذا أعددت أنا؟ وماذا أملك؟ وكيف أستطيع أن أصنع مستقبلي؟
هنا تتجاوز رسالة الدكتور محمود طه حدود الرواية والفيلم لتصبح درسا في استقلال القرار وفي فهم طبيعة العلاقات الدولية وفي ضرورة أن تعرف المجتمعات قدرها وإمكاناتها وألا تضع مصيرها في يد قوة لا تنظر إلى العالم إلا من نافذة مصالحها.
فالسياسة ليست كراهية للآخر كما أن الاستقلال ليس انعزالا عن العالم إنما الاستقلال أن تتعامل مع العالم وأنت تعرف ماذا تريد وأن تقبل التعاون دون أن تتنازل عن إرادتك وأن تستفيد من الآخرين دون أن تتحول إلى أسير لوعودهم.
لعل الدرس الأهم أن القطار قد يمر أمام قريتك وقد تسمع صفارته وقد ترى أضواءه وقد تتغير حياتك كلها استعدادا له لكنه في النهاية لن يحمل عنك مسؤولية بناء بيتك ولن يزرع أرضك ولن يصنع مستقبلك نيابة عنك.
لا تنتظر أن يتوقف قطار الآخرين حتى تبدأ حياتك ولا تجعل مستقبلك رهينة لمحطة قد لا يصل إليها قطار أبدا.
إن الأوطان التي تعرف قيمة نفسها لا تقف طويلا على الأرصفة ولا تستجدي الالتفات من عابر وإنما تبني قضبانها وتحدد وجهتها وتملك قرارها…







