بين ضجيج “التريند” وصمت العقل، تبرز قضية الساعة التي لا تقبل التأجيل؛ وهي أن المجتمعات الراسخة لا تُبنى بومضات الشاشات الزائدة، بل بـ “الوعي” الذي يتغلغل في وجدان الفرد ليصبح سلوكاً ومنهاج حياة.
إن صناعة الوعي اليوم باتت أخطر وأهم من مجرد نقل الحدث؛ فالحدث لحظة عابرة تنتهي بانتهاء وقتها، أما الوعي فهو الاتجاه الباقي الذي يشكل هوية المجتمع ويرسم ملامح مستقبله.
نحن نعيش الآن حالة من “التضخم المعلوماتي” الذي حوّل القضايا الإنسانية والجرائم المجتمعية إلى مادة استهلاكية، تُعرض وتُعاد حتى يفقد الألم قدسيته، ويتراجع الإحساس تدريجياً أمام توحش المشاهدة. وهنا يجب أن نقف وقفة صدق مع النفس: ليس كل ما يُعرف يُنشر، وليس كل ما يُنشر يُفيد.
إن نشر تفاصيل الجرائم دون هدف وطني أو قانوني واضح، لا يحقق عدالة ولا يمنع تكراراً، بل يزرع الخوف ويُضعف المناعة النفسية للمواطن، ويُصدر صورة ذهنية سلبية لا تليق بمجتمعنا.
إن الدولة المصرية، وهي تبني الجمهورية الجديدة، لا تكتفي بتطوير المؤسسات أو تحديث آليات العمل في الطب والتكنولوجيا ومنظومات العدالة الرقمية، بل تضع “وعي المواطن” كحجر زاوية في هذه المعركة.
فالتحدي الحقيقي ليس في توافر المعلومة، بل في “مسؤولية استخدامها”. الوعي ليس شعاراً يُرفع في المحافل، بل هو فعل يومي يظهر في احترام الموارد، وفي إدراكنا العميق لمفهوم “البصمة الكربونية”، وفي ترشيد استهلاك الطاقة كجزء أصيل من الأمن القومي البيئي واستدامة التنمية..
ما نكرره يومياً يتحول إلى ثقافة، وما يتحول إلى ثقافة يشكل مستقبل أمة. فإذا استسلمنا لاستهلاك السلبية، سنحصد مجتمعاً قلقاً ومُرهقاً، أما إذا وجهنا طاقاتنا نحو الحلول والبناء، سننتج مجتمعاً قادراً على الفعل والابتكار.
المطلوب اليوم هو “الاختيار الواعي”؛ أن ندعم المؤسسات، ونحترم خصوصية الضحايا، ونحول منصاتنا من ساحات للعرض العشوائي إلى أدوات للبناء والتعمير.
إن الخيال العلمي تحول إلى واقع ملموس بفعل التركيز والاستثمار، وكذلك الوعي؛ يمكنه أن يتحول إلى قوة ضاربة تعيد تشكيل سلوك المجتمع إذا توفرت الإرادة.
إن المجتمع لا يُبنى بكثرة التفاعل أو بسباق المشاهدات الزائف، بل بقدرتنا على تحويل المعرفة إلى سلوك، والسلوك إلى ثقافة، والثقافة إلى نهج دولة راسخة.
باختصااار.. المجتمع لا يُبنى بالتريند، بل بالوعي.








