كتب احمد عسله
في عالم لم تعد فيه قوة الدول تُقاس فقط بما تمتلكه من موارد وإنما بما تستطيع أن تنتجه وتصدره وتبتكره من معرفة وتكنولوجيا وقيمة مضافة تبرز أهمية العقول التي تنظر إلى الاقتصاد باعتباره منظومة متكاملة لا مجرد أرقام متفرقة في جداول الحسابات القومية.
من هذه الزاوية تبرز المسيرة العلمية والبحثية للأستاذ الدكتور أحمد جمعة عبد الغني حسن أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق ومستشار رئيس جامعة الزقازيق للسياسات والشؤون الاقتصادية ومدير برامج كلية التجارة بجامعة الزقازيق الأهلية والقائم بعمل رئيس قسم دراسات وبحوث العلوم السياسية والاقتصادية بكلية الدراسات الآسيوية العليا بجامعة الزقازيق.
فالمتأمل في إنتاجه العلمي لا يجد أمامه مجموعة من الدراسات المنفصلة وإنما يكتشف خيطا فكريا ممتدا يجمع بينها جميعا يبدأ من سؤال بسيط في ظاهره عميق في مضمونه
كيف يتحول النمو الاقتصادي من مجرد ارتفاع في المؤشرات إلى قدرة حقيقية على بناء اقتصاد منتج وتنافسي ومستدام؟
وهنا تبدأ رحلة بحثية واسعة لم تتوقف عند حدود الاقتصاد التقليدي وإنما امتدت إلى الاستثمار والتصنيع والتجارة الدولية والسياسات النقدية والاقتصاد السياسي والرقمنة والاقتصاد الدائري والشمول المالي وصولًا إلى التحولات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي.
التعليم البداية من الإنسان
في إحدى محطات هذا المشروع البحثي اتجه د. أحمد جمعة إلى دراسة العلاقة بين الإنفاق العام على التعليم والنمو الاقتصادي في رواندا.
وقد تبدو المسألة للوهلة الأولى مالية أو محاسبية إلا أن زاوية النظر كانت أوسع فالتعليم بالنسبة للاقتصاد ليس مجرد بند في الموازنة وإنما استثمار طويل الأجل في رأس المال البشري.
فالاقتصاد الذي يريد أن ينمو بصورة مستدامة يحتاج إلى إنسان قادر على التعلم والإنتاج والابتكار ومن هنا يصبح الإنفاق على التعليم جزءا من عملية بناء القدرة الإنتاجية للدولة.
وهكذا يبدأ مشروعه من الإنسان قبل أن يصل إلى المصنع ومن المعرفة قبل أن يتحدث عن التكنولوجيا.
من التعليم إلى المال كيف يصنع النظام المالي النمو؟
وفي دراسة أخرى تناول التطور المالي والنمو الاقتصادي في كوريا الجنوبية انتقل البحث من رأس المال البشري إلى المؤسسات المالية ودورها في الاقتصاد.
فالنظام المالي لا يعمل فقط باعتباره حلقة وصل بين المدخرات والاستثمارات وإنما يستطيع أن يؤثر في طريقة تخصيص الموارد وتوجيه المدخرات نحو القطاعات الأكثر إنتاجية ودعم الاستثمار والابتكار.
وهنا تظهر كوريا الجنوبية كنموذج شديد الدلالة دولة استطاعت خلال عقود أن تنتقل من اقتصاد محدود القدرات إلى واحدة من أهم القوى الصناعية والتكنولوجية في العالم.
من هنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر عمقا
كيف تتحول المؤسسات إلى أدوات لصناعة النمو؟
السياسة النقدية حين تنتقل القرارات إلى الاقتصاد الحقيقي
وفي التجربة الماليزية بحث د. أحمد جمعة في العلاقة بين السياسة النقدية والنمو الاقتصادي متتبعا تأثير المتغيرات النقدية والاقتصادية الكلية في النشاط الحقيقي.
فالقرار النقدي لا يبقى داخل البنوك المركزية وإنما ينتقل أثره إلى الاستثمار والإنتاج والأسواق والأسعار ومن ثم إلى حياة المواطن والقطاع الخاص والاقتصاد بأكمله.
وهو ما يعكس سمة أساسية في منهجه البحثي إذ لا يكتفي بالنظر إلى السياسة الاقتصادية باعتبارها قرارا وإنما يبحث عن كيفية انتقال هذا القرار إلى الاقتصاد الحقيقي.
الاستثمار الأجنبي المال وحده لا يصنع التنمية
وفي دراسة مقارنة لمحددات تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر والصين انتقل إلى قضية شديدة الأهمية بالنسبة للاقتصادات النامية والناشئة.
فجذب الاستثمار الأجنبي لا يتوقف على توفير رأس المال فقط وإنما يرتبط بحجم السوق والاستقرار والبنية الأساسية والبيئة المؤسسية، والسياسات الاقتصادية والقدرة على تحويل الاستثمار إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل.
ومن هنا تصبح القضية ليست
كم استثمارا دخل الدولة؟
وإنما ماذا صنع هذا الاستثمار داخل الاقتصاد؟
وهي نقلة مهمة من التفكير في الاستثمار باعتباره رقما إلى النظر إليه باعتباره أداة لبناء القدرة الإنتاجية.
آسيا مدرسة كبرى في التحول الاقتصادي
وتحتل التجارب الآسيوية مساحة واضحة في اهتماماته البحثية.
ففي تايوان تناول دور المجمعات الصناعية في دعم الإنتاجية والقدرة التنافسية والنمو متوقفا عند أهمية تكامل الأنشطة الإنتاجية والتخصص وسلاسل القيمة.
وفي كوريا الجنوبية اتجه إلى تجربة صناعة السيارات وهي واحدة من أكثر التجارب دلالة على كيفية انتقال دولة من محدودية القاعدة الصناعية إلى قوة صناعية وتكنولوجية وتصديرية.
والدرس هنا يتجاوز صناعة السيارات نفسها فالصناعة القادرة على التصدير لا تخلق إنتاجا فقط وإنما تبني خبرة وتكنولوجيا وسلاسل توريد وأسواقا وقدرات بشرية.
لهذا يصبح التصنيع في رؤيته أحد أهم مفاتيح الانتقال من اقتصاد يعتمد على الطلب إلى اقتصاد تقوده الإنتاجية والتكنولوجيا والتصدير.
الهند والرقمنة عندما تصبح التكنولوجيا جزءا من الإنتاج
ومع تغير شكل الاقتصاد العالمي تغيرت كذلك طبيعة الأسئلة التي يبحث فيها.
ففي دراسة حول أثر الرقمنة على الأداء الاقتصادي في الهند تناول التحول الرقمي باعتباره عاملا مؤثرا في الإنتاجية والنمو وإعادة تشكيل الأنشطة الاقتصادية.
وهنا تظهر ملامح مرحلة جديدة في مشروعه الفكري مرحلة لم تعد التكنولوجيا فيها مجرد قطاع من قطاعات الاقتصاد وإنما أصبحت جزءا من البنية الأساسية للإنتاج.
فالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وتحليل البيانات الضخمة والأتمتة أصبحت جميعها عوامل تعيد تشكيل الشركات وسوق العمل والإدارة والإنتاجية والقدرة التنافسية.
والدول التي تنجح في بناء قدراتها الرقمية والمعرفية ستكون أقدر على المنافسة في اقتصاد عالمي يتغير بسرعة.
الاقتصاد الدائري النمو الذي يحسب قيمة الموارد
وفي التجربة اليابانية امتد اهتمامه إلى الاقتصاد الدائري وكفاءة استخدام الموارد.
وهو انتقال من مفهوم تقليدي للتنمية يقوم بصورة أساسية على زيادة الناتج إلى مفهوم أكثر اتساعا يبحث أيضا عن كيفية إنتاج هذا الناتج وحجم الموارد المستخدمة ومقدار الهدر وإمكانية إعادة الاستخدام.
وهنا يلتقي الاقتصاد مع البيئة والاستدامة ليظهر مفهوم النمو الأخضر باعتباره أحد الاتجاهات التي ستفرض نفسها بقوة على السياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
الشمول المالي عندما يصبح الاقتصاد أكثر اتساعا
كما تناول تجربة سنغافورة في مجال الشمول المالي انطلاقا من أن إتاحة الخدمات المالية لا تمثل قضية مصرفية فحسب وإنما يمكن أن تكون إحدى أدوات توسيع المشاركة الاقتصادية.
فكلما زادت قدرة الأفراد والمشروعات على الوصول إلى التمويل والخدمات المالية اتسعت دائرة النشاط الاقتصادي وازدادت فرص الاستثمار والإنتاج.
وهكذا يظل السؤال الأساسي حاضرا كيف نجعل النمو أكثر قدرة على الوصول إلى المجتمع؟
من الاقتصاد إلى الاقتصاد السياسي
مع اتساع دائرة البحث لم يعد الاقتصاد بالنسبة لأحمد جمعة مجرد علاقة بين الإنتاج والاستهلاك والأسعار وإنما أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بالسياسة والجغرافيا وموازين القوة الدولية.
ففي دراساته حول الدور الاقتصادي للصين في أفريقيا ظهرت العلاقة بين التجارة والاستثمار والموارد والأسواق من ناحية والطموحات الجيوسياسية وموازين القوة من ناحية أخرى.
هنا يصبح الاقتصاد أحد مصادر القوة في العلاقات الدولية
فالموانئ والطرق والاستثمارات والتجارة والموارد وسلاسل الإمداد ليست مجرد أرقام اقتصادية إنها في كثير من الأحيان أدوات نفوذ وشراكة وإعادة تشكيل للمشهد الدولي.
الصين وأفغانستان الاستثمار في قلب الجغرافيا السياسية
وفي تناوله للاستثمار الصيني في أفغانستان تداخلت قضايا الاستثمار والبنية الأساسية والموقع الجغرافي والأمن ومبادرة الحزام والطريق.
وهو ما يعكس رؤية تعتبر أن الاستثمار الدولي لا يتحرك في فراغ وإنما يتأثر بالبيئة السياسية والجغرافية والأمنية التي يعمل داخلها ومن هنا يتسع مفهوم الاقتصاد ليصبح جزءا من فهم حركة العالم نفسه.
المياه والموارد الاقتصاد حين يلتقي بالأمن
وامتدت اهتماماته كذلك إلى قضايا المياه والموارد وهي منطقة تتقاطع فيها اقتصاديات الموارد مع السياسة والأمن والجغرافيا السياسية.
فالمورد لم يعد مجرد عنصر من عناصر الإنتاج وإنما قد يصبح عاملا في تحديد النفوذ والاستقرار والعلاقات بين الدول.
وهنا تكتمل حلقة الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد السياسي.
كورونا اختبار عالمي كشف قوة وضعف الاقتصادات
وجاءت جائحة كورونا لتقدم اختبارا عمليا لكثير من الأفكار التي تناولتها أبحاثه فالأزمة لم تضرب قطاعًا واحدا وإنما طالت التجارة والسياحة والإنتاج وسلاسل الإمداد والأسواق والعمل.
كشفت الجائحة أن قدرة الدول على مواجهة الصدمات لا تعتمد فقط على حجم اقتصادها وإنما على مرونة مؤسساتها وقوة بنيتها الإنتاجية وقدرتها الرقمية وتنوع مصادرها وأسواقها.
من هنا أصبح التحول الرقمي أكثر من خيار تكنولوجي أصبح جزءا من قدرة الاقتصاد على الصمود.
الاقتصاد المصري من سؤال التمويل إلى سؤال الإنتاج
ولعل الجانب الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمصريين يظهر في مقالاته وتحليلاته الإعلامية التي تناولت التضخم والدين والتمويل الخارجي والاستثمار وسعر الصرف والتجارة والصادرات والسياسات النقدية والتحولات العالمية وبريكس والذكاء الاصطناعي.
وفي هذه المساحة ينتقل الباحث من الدراسات الأكاديمية إلى الاقتصاد الذي يعيشه المواطن كل يوم.
وفي رؤيته للتمويل الخارجي لا يظهر التمويل باعتباره غاية في حد ذاته وإنما أداة يجب أن تتحول إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل وقدرة تصديرية وعملة أجنبية.
وهنا تبرز معادلة شديدة الوضوح
التمويل الذي لا يزيد القدرة الإنتاجية يظل تمويلا مؤقتا أما التمويل الذي يبني إنتاجًا وتصديرًا وقدرة تنافسية، فيتحول إلى قوة اقتصادية.
التضخم العلاج يبدأ من الاقتصاد الحقيقي
وفي تحليله للتضخم وخاصة التضخم المرتبط بالعوامل الخارجية يركز على أثر ارتفاع تكلفة السلع ومدخلات الإنتاج المستوردة في الأسعار المحلية.
لكن مواجهة التضخم وفق هذا المنظور لا يمكن أن تعتمد على السياسة النقدية وحدها فزيادة الإنتاج المحلي وتقوية سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد المفرط على المدخلات المستوردة كلها عناصر تساعد في بناء اقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
وهنا تعود الفكرة الأساسية مرة أخرى
استقرار الأسعار يرتبط بقوة الإنتاج وسعر الصرف يرتبط بقدرة الاقتصاد على توفير العملة الأجنبية والاستقرار الخارجي يرتبط بالقدرة التصديرية.
الصادرات الرقم ليس هو القضية
وفي رؤيته للصادرات لا يتعامل مع زيادة الرقم باعتبارها الهدف الوحيد فالصادرات القوية تحتاج إلى منتج قادر على المنافسة وجودة مناسبة وتكلفة إنتاج قابلة للمنافسة وتكنولوجيا وأسواق متنوعة، وسلاسل إمداد مستقرة.و
ولهذا فإن بناء قاعدة صناعية قوية يصبح شرطا أساسيا لزيادة الصادرات بصورة مستدامة.
وتزداد أهمية هذه الرؤية في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية حيث يمكن للأزمات الدولية أن تمثل تهديدا لكنها في الوقت نفسه قد تفتح أبوابا جديدة أمام الدول القادرة على زيادة إنتاجها وتطوير صناعاتها.
بريكس مصر في عالم يتغير
وفي تناوله لمجموعة بريكس يقرأ التحولات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي من زاوية تنويع الشراكات والأسواق ومصادر التمويل والتجارة وزيادة مساحة التعامل بالعملات الوطنية.
تكشف هذه الرؤية عن اهتمام بإعادة قراءة موقع مصر في الاقتصاد العالمي ليس باعتبارها دولة تبحث فقط عن التمويل وإنما باعتبارها دولة تمتلك موقعا جغرافيا متميزا وقاعدة إنتاجية قابلة للتطوير وفرصا واسعة لزيادة صادراتها وتوسيع شراكاتها.
الدولة والقطاع الخاص تكامل لا إقصاء
وفي العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص تبرز كذلك رؤية تقوم على التكامل.
فالدولة تملك دورا أساسيا في بناء البنية الأساسية ووضع القواعد المنظمة وتوفير البيئة المؤسسية ودعم القطاعات الاستراتيجية.
في المقابل يظل القطاع الخاص عنصرا رئيسيا في الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير.
أما الجامعة والبحث العلمي فدورهما يتجاوز التعليم إلى إنتاج المعرفة التي تساعد على فهم المشكلات وصناعة السياسات.
وهكذا لا تصبح التنمية مسؤولية مؤسسة واحدة وإنما نتيجة لتفاعل الدولة والقطاع الخاص والجامعة والبحث العلمي والمجتمع.
من الجامعة إلى صناعة السياسات
ولا تنفصل هذه الرؤية البحثية عن خبراته العملية والأكاديمية فقد امتدت خبرته إلى مجالات تطوير التعليم العالي وإدارة مشروعات التطوير وضمان الجودة والاعتماد والتطوير المؤسسي والتخطيط والتمويل وإدارة المشروعات من خلال مشاركاته وتكليفاته في وحدة إدارة مشروعات تطوير التعليم العالي بوزارة التعليم العالي وقطاع تطوير التعليم برئاسة مجلس الوزراء.
كما امتدت خبراته إلى مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار برئاسة مجلس الوزراء ومجالات التطوير المؤسسي والجودة وإنشاء وإدارة مؤسسات التعليم العالي إلى جانب المشاركة في تطوير اللوائح والخطط الاستراتيجية والبحثية واللجان الجامعية.
وفي جامعة الزقازيق تواصل هذا المسار من خلال عمله أستاذا للاقتصاد ومستشارا لرئيس الجامعة للسياسات والشؤون الاقتصادية ومديرا لبرامج كلية التجارة بجامعة الزقازيق الأهلية والقائم بعمل رئيس قسم دراسات وبحوث العلوم السياسية والاقتصادية بكلية الدراسات الآسيوية العليا.
وهي مواقع تتقاطع بصورة مباشرة مع طبيعة مشروعه العلمي حيث يلتقي الاقتصاد بالسياسة والبحث العلمي بالإدارة والتجربة الدولية بالواقع المصري.
ثلاث دوائر تصنع التجربة
وعند قراءة هذه المسيرة كاملة يمكن اختصارها في ثلاث دوائر متكاملة
البحث العلمي.
التحليل الاقتصادي.
خدمة المؤسسات والمجتمع.
في الدائرة الأولى جاءت الدراسات التي بحثت في النمو والاستثمار والتصنيع والسياسة النقدية والرقمنة والاستدامة والشمول المالي.
وفي الثانية انتقل إلى قضايا الاقتصاد المصري التضخم، والدين والتمويل والاستثمار وسعر الصرف والصادرات والتجارة والتحولات الاقتصادية العالمية.
وفي الثالثة جاءت الخبرة الأكاديمية والإدارية والاستشارية التي جعلت من المعرفة الاقتصادية أداة للمشاركة في تطوير المؤسسات وصناعة الرؤية.
المعادلة التي تجمع كل شيء
وربما تكمن أهم ملامح هذا المشروع الفكري في أن كل هذه الموضوعات رغم اختلافها تقود في النهاية إلى معادلة واحدة
النمو يرتبط بالإنتاج.
والإنتاج يرتبط بالتصنيع.
والتصنيع يرتبط بالتكنولوجيا.
والتكنولوجيا ترتبط بالإنتاجية.
والإنتاجية تصنع التنافسية.
والتنافسية تفتح أبواب التصدير.
والتصدير يعزز القدرة على توليد العملة الأجنبية.
والقدرة على توليد العملة الأجنبية تقوي المركز الخارجي للاقتصاد.
وهكذا لا تعود مؤشرات الاقتصاد جزرا منفصلة وإنما تتحول إلى دائرة متكاملة.
من أستاذ الاقتصاد إلى «صانع الأسئلة»
وربما تكون القيمة الأهم في تجربة د. أحمد جمعة عبد الغني ليست فقط في عدد الموضوعات التي تناولها وإنما في قدرته على الانتقال من سؤال إلى سؤال.
من كيف ينمو الاقتصاد؟
إلى لماذا ينمو؟
ثم كيف يصبح النمو أكثر استدامة؟
ثم كيف تتحول الاستثمارات إلى إنتاج؟
ثم كيف يتحول الإنتاج إلى صادرات؟
ثم كيف تتحول التكنولوجيا إلى إنتاجية؟
ثم كيف تتحول القوة الاقتصادية إلى نفوذ في عالم تتغير فيه موازين القوى؟
وهنا يتحول الاقتصاد من علم للأرقام إلى علم لفهم الدولة ومصالحها وقدرتها على الحركة في عالم شديد التغير.
السؤال الأكبر كيف نبني اقتصادا يصنع مستقبله؟
في النهاية تبدو المسيرة العلمية والبحثية للأستاذ الدكتور أحمد جمعة عبد الغني حسن أقرب إلى رحلة متصلة بين الجامعة والمجتمع وبين النظرية والتطبيق وبين الاقتصاد والسياسة وبين التجارب الدولية والواقع المصري.
رحلة تبدأ من التعليم وتنتهي بالتكنولوجيا تمر بالاستثمار والتصنيع والتجارة والصادرات وتتسع إلى الرقمنة والاقتصاد الأخضر والشمول المالي والاقتصاد السياسي والجغرافيا الاقتصادية.
لكن وراء كل هذه المحطات سؤال واحد يظل حاضرا
كيف يمكن بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية واستدامة قادر على خلق فرص العمل وزيادة الصادرات وتوطين التكنولوجيا وتعظيم القيمة المضافة ومواجهة التحولات الاقتصادية العالمية؟
وفي عالم تتغير فيه موازين القوة من حولنا، قد لا يكون امتلاك الموارد هو التحدي الأصعب وإنما القدرة على تحويل الموارد إلى إنتاج والإنتاج إلى قيمة والقيمة إلى تنافسية والتنافسية إلى قوة اقتصادية.
وهنا تحديدا تكمن خلاصة الرحلة
فالقوة الاقتصادية لا تُقاس فقط بما تملكه الدولة وإنما بما تستطيع أن تصنعه بعقول أبنائها وتنتجه مصانعها وتصدره أسواقها وتبتكره جامعاتها وتحميه مؤسساتها.
(((ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة د. أحمد جمعة عبد الغني باعتبارها رحلة بحث عن اقتصاد لا يكتفي بأن ينمو وإنما يمتلك القدرة على أن يصنع مستقبله)))..









