ليست كل المواقف التي تستحق الإشادة تُصنع في مكاتب المسؤولين وليست كل النماذج المشرفة تحتاج إلى حملات تعريف أو كلمات منمقة فبعض الرجال تكشفهم المواقف وتمنحهم تصرفاتهم شهادة تقدير لا تصدرها جهة ولا تحتاج إلى ختم أو توقيع.
من بين هذه المواقف ما شهدته بنفسي في ساعة متأخرة من الليل حين تلقيت استغاثة من الأستاذ أحمد عبده سرحان والد الشاب أمير الذي تعرض نجله لواقعة سطو واعتداء من مجموعة من الشباب المارقين أثناء وجوده بمدينة الزقازيق.
كانت الواقعة مؤلمة في تفاصيلها فقد استغل الجناة انشغال الشاب بقضاء حاجته واستولوا على دراجته التي يستخدمها في مساعدة والده ومؤانسته وإنجاز أعماله. وحين انتبه أمير إليهم وحاول استرداد ممتلكاته لم يترددوا في الاعتداء عليه بالضرب قبل أن يفروا بالدراجة.
لم يكن أحمد سرحان مشغولا بقيمة الدراجة أو ثمنها بقدر انشغاله بسلامة ابنه والخطر الذي تعرض له وما كان يمكن أن تنتهي إليه الواقعة لو تطور الاعتداء إلى ما هو أخطر. وكان سؤاله الذي يفرض نفسه هل هؤلاء الشباب يمارسون مثل هذه الأفعال مع آخرين؟ وكم مواطنا يمكن أن يكون قد وقع ضحية لتصرفاتهم؟
أمام هذه الاستغاثة لم أتردد في التواصل مع معالى المقدم محمود عز رئيس مباحث قسم شرطة أول الزقازيق.
والحق أنني لم أكن أعرف الرجل عن قرب ولم يسبق لي التعامل معه لكنني فوجئت منذ اللحظة الأولى بشخصية ودودة راقية، متواضعة تستمع باهتمام وتتعامل مع شكوى المواطن باعتبارها مسؤولية تستوجب التحرك لا مجرد مكالمة عابرة أو مجاملة لشخص يتواصل معه.
كانت كلماته واضحة ومطمئنة «هدئ من روعك لا تقلق أرسل صاحب المشكلة إليّ».
وبالفعل تواصلت مع أحمد سرحان الذي توجه بصحبة نجله إلى القسم فإذا بالمقدم محمود عز لا يكتفي بالاستماع وإنما يصدر توجيهاته بتخصيص أكثر من ضابط لمرافقة الأب ونجله إلى موقع الواقعة والتحرك لفحص كاميرات المراقبة وتتبع خط سير الجناة في تلك الساعة المتأخرة من الليل.
وهنا كانت المفاجأة التي تستحق التوقف أمامها فلم ينتظر رئيس المباحث حتى الصباح ولم يؤجل التحرك إلى ساعات العمل الرسمية ولم يتعامل مع الواقعة باعتبارها مجرد سرقة دراجة يمكن أن تنتظر وإنما تحركت القوة الأمنية وشارك الضباط والأفراد في جهود البحث والمتابعة واستمرت المتابعة الليلية من نحو الواحدة صباحا حتى الرابعة فجرا حتى عادت الدراجة إلى صاحبها.
وهو ما أكده لي الأستاذ أحمد سرحان في اتصال لاحق ثم وثقه بنفسه في منشور شكر وتقدير أشاد فيه بجهود مديرية أمن الشرقية وقسم شرطة أول الزقازيق وشرطة النجدة والدورية الليلية وخص بالشكر المقدم محمود عز والرائد زياد وضابط النجدة وضابط الدورية الليلية وجميع الأمناء المشاركين في إعادة الحق إلى أصحابه.
وهنا أتوقف أمام المعنى الأعمق من عودة دراجة إلى صاحبها.
فالقضية لم تكن دراجة سُرقت ثم عادت وإنما كانت أسرة استنجدت وأبا ارتجف قلبه خوفا على نجله وشابا تعرض للاعتداء ومواطنا أراد أن يطمئن إلى أن هناك من يسمع شكواه ويتحرك من أجل حمايته.
وهذا تحديدا هو الفارق بين أداء الواجب باعتباره إجراء إداريا وأدائه باعتباره رسالة إنسانية ووطنية.
لقد شعرت في تلك الليلة وأنا أتابع ما يجري أنني أمام نموذج أمني يعيد إلى المواطن ثقته وطمأنينته ويؤكد له أن هناك رجالا لا تقف عقارب الساعة عند حدود انتهاء نوبات العمل ولا تتوقف مسؤوليتهم عند إغلاق أبواب المكاتب.
المقدم محمود عز اكتشاف يستحق أن نسلط عليه الضوء.
أقولها بكل صدق منذ فترة طويلة لم أتعامل مع رجل أمن يترك لديّ هذا الانطباع الطيب من أول تواصل بهذه الدرجة من الرقي والود وحسن الاستماع وسرعة الاستجابة.
إنه نموذج لرئيس المباحث الذي نحتاجه في هذا الزمن حازم في مواجهة الخارجين على القانون رحيم في تعامله مع أصحاب الحقوق قريب من المواطنين مدرك أن احترام الناس لا يقل أهمية عن فرض هيبة القانون.
فالمناصب لا تصنع قيمة الرجال وإنما أخلاقهم ومواقفهم هي التي تمنح المناصب قيمتها والنجاح الأمني لا يقاس فقط بعدد المحاضر أو القضايا التي يتم ضبطها وإنما يقاس أيضا بمقدار الأمان الذي يشعر به المواطن وبقدرته على الوصول إلى رجل مسؤول يجد لديه أذنا تسمع وعقلا يقدر وإرادة تتحرك.
ولا يفوتني هنا أن أؤكد أن ما قام به المقدم محمود عز لم يكن جهدا فرديا منعزلا وإنما كان عملا أمنيا متكاملا شارك فيه ضباط وأفراد وشرطة نجدة ودورية ليلية يستحقون جميعا التحية والتقدير فالقائد الناجح هو الذي يحسن إدارة رجاله ويجعل من روح الفريق عنوانا للعمل.
تحية إلى مديرية أمن الشرقية وإلى كل رجل شرطة شريف يعرف أن المواطن ليس رقما في دفتر أحوال وأن شكواه ليست عبئا على جهاز الأمن وإنما هي أمانة تستوجب الاهتمام.
وتحية خاصة إلى المقدم محمود عز رئيس مباحث قسم شرطة أول الزقازيق فقد أثبت بموقفه أن حسن التعامل ليس ضعفا وأن الحزم لا يتعارض مع الإنسانية وأن هيبة رجل الشرطة تزداد كلما شعر المواطن أنه أمام إنسان قبل أن يكون مسؤولا.
يا سعد أهالي قسم أول الزقازيق بقيادة أمنية بهذه الروح ويا سعد كل مواطن يجد في رجل الشرطة سندا لحقه ودرعا لأمنه وملاذا لشكواه.
حقيقى «ليس كل من يرتدي الزي الرسمي يمنح المواطن شعورا بالأمان لكن هناك رجالا يجعلون من وجودهم طمأنينة ومن مواقعهم رسالة ومن خدمة الناس شرفا لا ينتظر التصفيق».
أكتب هذه الكلمات لا طلبا لمجاملة ولا بحثا عن منفعة ولا ردا لجميل شخصي وإنما شهادة حق في موقف يستحق أن يُروى ونموذج يستحق أن يُحتذى ورجل يستحق أن يسمع كلمة شكر تليق بما قدمه.
فكما ننتقد التقصير ونتسافل ونجود فى الردح يجب أن ننصف الإخلاص وكما نسلط الضوء على السلبيات ينبغي ألا نبخل بإبراز النماذج المضيئة.
شكرا سيادة المقدم محمود عز شكرا لأنك جعلتنا نلمس معنى أن تكون الشرطة في خدمة الشعب لا شعارًا يُقال وإنما موقفا يُترجم إلى فعل.
حفظ الله رجال الشرطة الشرفاء ووفقهم لما فيه أمن الوطن وسلامة المواطنين وجعل جهودهم في ميزان حسناتهم..تحيا مصر








