كتب احمد عسله
في كثير من الملفات العمالية داخل مؤسسات الدولة قد يختلط الصخب بالمبالغات وقد تتداخل المطالب مع التقديرات الشخصية لكن في بعض القضايا تقف المستندات وحدها لتتحدث وتصبح الأرقام والقرارات الرسمية هي الفيصل الحقيقي بين الحق والادعاء.
من بين تلك القضايا التي عادت إلى السطح من جديد قضية موظفي هيئة كهربة الريف الذين يؤكدون أن حقوقهم المالية في وثيقة التأمين الخاصة بهم لا تزال محل نزاع منذ أكثر من اثني عشر عاما.
اليوم وبعد أن أرسل ممثلوهم عدة مذكرات رسمية مدعومة بالمستندات يطالب العاملون بشيء واحد فقط أن يُستمع إليهم كما تم الاستماع إلى الطرف الآخر.
قصة وثيقة بدأت في 2002
القضية تعود جذورها إلى وثيقة التأمين الجماعية للعاملين بهيئة كهربة الريف التي تم التعاقد عليها في الأول من نوفمبر عام 2002.
وبحسب ما يؤكده العاملون فقد نصت الوثيقة بوضوح على ميزتين أساسيتين عند الإحالة إلى المعاش
صرف خمسين شهرا على آخر مرتب شامل.
وصرف اثني عشر شهرًا على آخر مرتب أساسي.
هذه البنود بحسب ما يذكره الموظفون كانت جزءا أصيلا من منظومة الرعاية الاجتماعية للعاملين وتم تطبيقها بالفعل لسنوات دون خلاف.
سنوات التطبيق الكامل
تشير المستندات التي يستند إليها العاملون إلى أن صرف مزايا الوثيقة استمر بالصيغة الكاملة حتى 31 مارس 2012.
وخلال تلك الفترة حصل العاملون المنقولون من هيئة كهربة الريف إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركاتها التابعة على
ميزة الخمسين شهرا على آخر مرتب شامل.
وميزة الاثني عشر شهرا على آخر مرتب أساسي وذلك خلال مراحل النقل الخمس التي تمت بين
1 يوليو 2007 وحتى 1 يوليو 2012.
نقطة التحول في أبريل 2012
لكن اعتبارا من الأول من أبريل 2012، يقول العاملون إن طريقة احتساب المزايا تغيرت بشكل مفاجئ.
فقد تم تثبيت احتساب الخمسين شهرًا على شامل مرتب مارس 2012 وإيقاف صرف ميزة الاثني عشر شهرًا على آخر مرتب أساسي.
يؤكد العاملون أن هذا التغيير تم بحسب ما لديهم من معلومات دون عرض الأمر على الجمعية العمومية للوثيقة ومن هنا بدأ الخلاف.
مذكرة جديدة وردود قديمة
المستجد في القضية كما يقول ممثلو العاملين أن الشركة القابضة لكهرباء مصر أرسلت مؤخرا مذكرة قانونية بتاريخ 3 فبراير 2026 ردا على مطالب العاملين.
ويشير ممثلو موظفي كهربة الريف إلى أن هذه المذكرة اعتمدت على ردود قانونية قديمة محفوظة بإدارة الوثيقة وتمت الإشارة عليها من قبل رئيس الشركة القابضة.
ثم جرى تحويلها إلى القطاعات المختصة لاتخاذ اللازم.
لكن العاملين يرون أن هذه الردود لا تعكس كامل الوقائع ولا تتناول المستندات التي سبق تقديمها إلى وزارة الكهرباء.
مطلب بسيط الاستماااع إلى الطرفين
الدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة كان قد أعلن في أكثر من مناسبة عن مراجعة العديد من الملفات المتعلقة بالصناديق والوثائق المالية داخل القطاع.
وهنا يرى موظفو كهربة الريف أن الوقت أصبح مناسبا لحسم هذا الملف ومطلبهم الأساسي ليس إصدار قرار فوري بل الاستماع إليهم مباشرة فهم يؤكدون أنهم أرسلوا مذكرات رسمية باسم ممثلهم شوقي وفاء شوقي مرفقة بالمستندات والقرارات واللوائح التي يرون أنها تثبت أحقيتهم.
لجنة سابقة أقرت بالأحقية
ومن بين الأوراق التي يستند إليها العاملون ما يقولون إنه توصيات لجنة شكلها وزير الكهرباء الأسبق الدكتور محمد شاكر.
وقد ضمت اللجنة بحسب روايتهم
المهندس أسامة عسران والمستشار القانوني للوزير سيد الطحان رحمه الله والأستاذ ممدوح مصطفى رئيس الإدارة المركزية للشئون القانونية.
يقول العاملون إن اللجنة انتهت إلى أحقيتهم في صرف مزايا الوثيقة كما نصت عليها بنودها الأصلية.
أرقام ضخمة في حساب الوثيقة
من النقاط التي يطرحها العاملون بقوة في مذكرتهم الحديث عن الأرصدة المالية المرتبطة بالوثيقة إذ يؤكدون أن هناك ودائع تتجاوز 400 مليون جنيه وهناك نسبة 25% من بعض الحسابات المالية كان يتم تجنيبها لدعم الوثيقة ويقدر العاملون إجمالي تلك المبالغ بما يزيد على خمسة مليارات جنيه.
وهي أرقام إذا صحت تجعل القضية أكثر تعقيدا وأهمية في الوقت نفسه.
مقارنات مع حالات أخرى
يشير موظفو كهربة الريف إلى ما يرونه عدم مساواة في بعض الحالات فهم يقولون إن
قيادات تم نقلها من الوزارة أو شركات أخرى إلى هيئة كهربة الريف حصلت على مزايا الوثيقة كاملة.
كما حصل بعض العاملين المنقولين بين شركات التوزيع المختلفة على مزايا إضافية في وثائق أخرى.
ويؤكد العاملون أنهم لا يطالبون بمعاملة استثنائية بل فقط بالمعاملة نفسها التي حصل عليها غيرهم.
لماذا يطالبون بمقابلة الوزير ؟
في مذكرتهم الأخيرة يطالب ممثلو العاملين بعقد لقاء مباشر مع وزير الكهرباء ويقولون إن الهدف من اللقاء ليس التصعيد بل عرض المستندات أمام الوزير شخصيا حتى تتضح الصورة الكاملة.
ويضيفون أن الملف من وجهة نظرهم لا يحتاج إلى سنوات جديدة من المكاتبات بل إلى قرار إداري واضح بعد مراجعة شاملة.
القضية الآن بين يدي الوزير
في نهاية المطاف تبقى الحقيقة أن الملف الآن موجود داخل وزارة الكهرباء. والمستندات كما يقول أصحاب الشكوى موجودة أيضا داخل القطاع القانوني بالوزارة.
وبين روايتين مختلفتين رواية الشركة القابضة ورواية العاملين يبقى القرار النهائي بيد وزارة الكهرباء.
**قضية موظفي كهربة الريف ليست مجرد مطالبة مالية بل اختبار حقيقي لمبدأ طالما رفعته الدولة المصرية في السنوات الأخيرة
العدالة الوظيفية والشفافية المؤسسية.
وإذا كانت المستندات بالفعل تقول ما يقوله أصحابها فإن الاستماع إليهم قد يكون الخطوة الأولى نحو إنهاء ملف ظل مفتوحا لأكثر من عقد من الزمن أما إذا كانت الصورة مختلفة فإن توضيح الحقيقة للرأي العام سيكون هو الطريق الأقصر لإغلاق الجدل.
وفي كل الأحوال يبقى الأمل لدى هؤلاء الموظفين أن يسمع المسؤولون صوتهم وأن يُحسم الملف بقرار عادل يعيد الطمأنينة إلى مئات الأسر التي تنتظر نهاية واضحة لهذه القضية…








