كتب احمد عسله
في الدول المحترمة يُقاس الوفاء الحقيقي بمدى احترامها لمن خدموها سنوات طويلة.
وفي المؤسسات الجادة لا يُترك العامل بعد نهاية عمره الوظيفي يطارد الملفات أو يتنقل بين المكاتب أو يستجدي حقا يراه ثابتا بالمستندات.
من هنا تبرز واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والإدارية حساسية داخل قطاع الكهرباء قضية أبناء هيئة كهربة الريف هؤلاء الذين شاركوا في إدخال النور إلى آلاف القرى والنجوع ثم وجد كثير منهم أنفسهم في ظلام الانتظار.
إنها ليست مجرد شكوى عمالية عابرة ولا مطالبات موسمية بل ملف ممتد لسنوات يحمل في طياته أسئلة كبرى عن العدالة والمساواة والإنصاف.
هؤلاء العاملون يؤكدون أن حقوقهم المتعلقة بوثيقة التأمين والمزايا المستحقة عند الإحالة للمعاش، جرى التعامل معها بصورة غير عادلة بعد نقلهم إلى الشركة القابضة لكهرباء مصر وشركاتها التابعة رغم أن النقل تم وفق القانون ورغم أن حقوقهم بحسب ما يؤكدون كانت قائمة ومستمرة.
يقول أصحاب القضية إن بعض زملائهم الذين أُحيلوا للمعاش في فترات سابقة حصلوا على كامل مستحقاتهم، بينما حُرم آخرون من المعاملة ذاتها، رغم تماثل المراكز القانونية والوظيفية.
هنا يبرز السؤال الذي لا يمكن الهروب منه
كيف يُعامل موظفون في الملف نفسه بمعايير مختلفة؟
وكيف يصبح الحق حقا لفئة ثم محل جدل مييييت لفئة أخرى؟
هذه القضية لا تحتاج إلى خطب طويلة بل إلى إجابة واحدة واضحة
هل توجد حقوق مستحقة أم لا؟
فإن وُجدت يجب صرفها فورا. وإن لم توجد فلتُعلن الحقيقة بشفافية موثقة.
أما استمرار الوضع بين شد وجذب ووعود وصمت فهذا يرهق الناس ويصنع شعورا بالغُبن لدى أصحاب الخدمة الطويلة.
العامل البسيط لا يفهم التعقيدات الإدارية ولا يهمه تبادل المكاتبات بين الإدارات.
هو يعرف شيئا واحدا فقط أنه خدم بلده وسدد ما عليه وينتظر ما له.
يؤكد أصحاب المطالبات أن لديهم مستندات وقرارات ومكاتبات سابقة وتوصيات لجان ووقائع صرف تمت لزملاء آخرين، وكلها من وجهة نظرهم تدعم موقفهم وتستوجب إعادة النظر.
الأمر هنا لا يتعلق فقط بأرقام مالية بل بكرامة إنسانية..
فالموظف حين يخرج إلى المعاش يكون قد بلغ مرحلة يحتاج فيها إلى الأمان لا إلى المعارك.
إننا نتحدث عن أسر كاملة تنتظر وبيوت تعتمد على تلك المستحقات ومرضى يحتاجون العلاج وآباء يريدون ستر أبنائهم وأمهات ينتظرن نهاية خدمة تليق بتاريخ من الكفاح.
ولهذا فإن التأخر في الحسم لم يعد مجرد إجراء روتيني بل أصبح أزمة حقيقية تمس الجانب الاجتماعي والإنساني.
إلى الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء
هذا الملف يستحق تدخلكم المباشر.
لأن الدولة التي أغلقت ملفات أكبر قادرة على إنهاء هذا الملف بعدالة وسرعة.
ولأن المواطن حين يطرق باب الحكومة طالبا الإنصاف يجب أن يجد من يسمعه.
إلى الدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء
أنتم أعلنتم مرارا أن الإصلاح يبدأ من العدالة والانضباط والشفافية.
هذا الملف فرصة حقيقية لترجمة تلك المبادئ إلى قرار يشعر به الناس على الأرض.
العاملون لا يريدون صداما مع أحد ولا يسعون إلى تصعيد عبثي بل يطلبون لجنة نزيهة وقرارا واضحا ونهاية عادلة.
المطلوب الآن دون تأخير
1- تشكيل لجنة مستقلة وعاجلة
من خارج أطراف النزاع لفحص الملف بالكامل.
2- مراجعة أوضاع من صرفوا ومن لم يصرفوا
لتحقيق مبدأ المساواة بين الحالات المتشابهة.
3- حصر الأموال والودائع والالتزامات
بصورة شفافة وتحت رقابة رسمية.
4- إعلان نتيجة المراجعة للرأي العام الداخلي
حتى لا تبقى الساحة مفتوحة للشائعات والاتهامات.
5- تنفيذ ما ينتهي إليه الفحص فورًا
فلا قيمة لأي تقرير إذا بقي حبيس الأدراج.
إن السكوت الطويل على الملفات لا يطويها بل يضخمها.
والتأجيل لا يحل الأزمات بل ينقلها من جيل إلى جيل.
لقد صبر أبناء كهربة الريف سنوات وتحملوا ما يكفي وقدموا ما عليهم ولم يعد من المقبول أن يبقى السؤال معلقا
متى يأتي دورهم؟
الإنصاف هنا لن يكون منحة بل تصحيحا لمسار ولن يكون مجاملة بل رد اعتبار.
ولن يكون عبئا على الدولة بل انتصارا لفكرة الدولة.
فهؤلاء الرجال لم يطلبوا سوى العدل.
والعدل إذا حضر سكتت الشكوى وهدأت النفوس وعاد الناس إلى بيوتهم راضين.
أما إذا طال الانتظار أكثر فستظل القضية مفتوحة وسيظل الإحساس بالمرارة قائما.
ياسادة ياعباد الله ياافاضل
أنصفوا من أوصلوا النور للقرى.. قبل أن ينطفئ في قلوبهم آخر أمل…







