تمثل ثورة الذكاء الاصطناعى وتوليد الصور والنصوص ذروة الفضاء المنسوخ فى العالم الرقمى ؛ حيث تساعد بشكل أو بآخر فى صياغة الوعى البشرى وإنتاجه فى قوالب معلبة ثابتة ومتكررة لا عائد منها. وهذا يرسخ بلا أدنى شك أوهاما جديدة حول طبيعة الحقيقة وصناعة الإبداع . ويتجلى هذا الأمر فى كثير من الممارسات البشرية التى اختزلت بشكل كبير المشاعر والعواطف والعلاقات، فتقطعت أواصر الصلة الحقيقية بين الأفراد. وهذه المشكلة تمثل خطرا حقيقيا على وعى الأجيال القادمة؛ فهى ليست مجرد مرحلة تطور طبيعية لآلية العيش البشرى فى العصر الرقمى شديد التحول والتعقد، بل إنما تشكل ثورة حقيقية تهدد وبعمق تشكيل الأحاسيس البشرية الحقيقية لدى الأفراد والكيانات .
فكل إنسان يحاول أن يصنع لنفسه فضاء رقميا يخصه ويميزه يلفت به الأنظار بما يؤدى إلى ظهور ما يسمى بفجوة العلاقات المبنية على النمذجة والمحاكاة الافتراضية ؛ فيتحول الآخر فى وعينا من إنسان حقيقى بصفاته وطباعه وتعاملاته إلى ملف شخصى يحمل صورا منتقاة ومنشورات مدروسة تشكل رسالات خفية. وتأتى الفجوة الصادمة حين يلتقى الطرفان ليكشف كل واحد منهما أن الأصل لا يشبه الصورة ولا يطابقه كما بنى فى وهم الخيال بالعالم المرسوخ.
إن الفضاء المنسوخ يحمل وفرة وهمية من البشر بما يؤدى إلى أن تصبح العلاقات بينهم شديدة الهشاشة، فيمكن إنهاء علاقات دامت لسنوات بكبسة زر أو عدم متابعة بما يقلل لدى الأفراد الذين يأمل فيهم أو منهم بناء علاقات اجتماعية قوية مشاعر الصبر والتضحية والإيثار وكلها مطلوبة لإرساء واستقرار المجتمعات والشعوب. أضف إلى ذلك فخ المقارنات المستمرة التى يتعرض لها الأفراد عبر الشاشات التى تحاول أن تنشر صور السعادة المزيفة بما يرسخ فى وعى الآخرين وهما بأن حياتهم الواقعية فاشلة أقل بكثير من غيرهم بما يخلق توترا وصراعا دائمين داخل الأسر والمجتمعات .
إننى أكتب هذا المقال لحاجتنا إلى إعادة تمكين الأفراد من امتلاك الوعى وإرساء الواقعية كمرجعية أولية لاستعادة أصالة الحياة الطبيعية وتوطيد سبل العلاقات البشرية الناجحة. ولن يتحقق ذلك فى رأيى إلا من خلال الوعى بالآلية التى تعمل بها خوارزميات الآلات مما يسقط هيبة الوهم ويعزز ثقافة الوعى والتواصل الحى لإعادة ترتيب أدمغة البشر للعيش فى اللحظة الراهنة بالقلوب لا بالعدسات .
لعل هذه التحديات تفرض على خبراء التربية والمناهج ضرورة تضمين موضوعات تخاطب هذه القضايا؛ لبناء الوعى النقدى الرقمى لدى الأبناء مع ضرورة إعادة الاعتبار للتعليم التجريبى والتطبيقى لمواجهة وهم المعرفة السطحية العابرة فى الفضاء المنسوخ.
ونظرا لأن العصر الحالى ينظر إلى التحكم فى المعلومات بوصفه رهانا إستراتيجيا حاسما، كان لزاما على الإنسان أن يفكر بطريقة تجميعية أبعد ما يكون عن العشوائية ، بحيث تعمل ذاكرته على وصل كل ما هو جديد وافد إليها مع غيره من المعطيات سواء أكان معلومة أم فكرة أم إحساسا، والعمل على تجاورهم عبر علاقات ما وجعلها مترابطة بآصرة قرابة أو بعلية من نوع خاص.
وعلى الله التكلان…،
أ.د/ على عبد المنعم حسين
أستاذ المناهج وطرق التدريس وتكنولوجيا التعليم والخبير التربوى بكلية التربية جامعة الزقازيق








