كتب احمد عسله
في الملفات المالية الكبرى قد تضيع الحقيقة بين عشرات القرارات والمكاتبات وقد يصبح البحث عن المسؤولية أصعب من البحث عن الأموال نفسها خصوصا عندما تنتقل مؤسسة بكامل أصولها والتزاماتها والعاملين بها إلى جهات أخرى بينما تظل حقوق العاملين مرتبطة بصناديق تأمينية لا تعرف الحدود الإدارية ولا تقبل أن تضيع اشتراكات أصحابها بين جهة وأخرى.
في التحقيق السابع والعشرين من سلسلة فتح ملف العاملين السابقين بهيئة كهربة الريف نقترب من نص بالغ الأهمية في قرارات نقل العاملين وهو ما ورد – بحسب النص الذي عرضه أصحاب المطالبات – في المادة الخامسة والمتعلق بالتزامات العاملين والجهات التي انتقلوا إليها تجاه صناديق التأمين.
وهنا لا نتحدث عن مطالبة عامة أو تقدير مالي غير محدد بل عن سؤال محاسبي مبا ما الذي كان يسدده العامل؟ وما الذي كانت تلتزم به جهة العمل؟ ومن تولى تحويل كل حصة إلى الصندوق المختص؟ وهل استمر ذلك حتى انتهاء خدمة العامل؟
المادة الخامسة التزام لا ينبغي أن يضيع بين الجهات
وفقا لما أورده شوقي وفائي أحد العاملين السابقين بالهيئة ورئيس اللجنة النقابية السابق فإن قرارات نقل العاملين تضمنت أحكامًا تتعلق باستمرار التزامات العاملين تجاه صناديق التأمين مع تحمل الشركة القابضة والشركات التابعة لما كانت الهيئة تتحمله عنهم فضلا عن تحويل اشتراكات العامل وصاحب العمل وفقا للقواعد المنظمة.
وإذا كان هذا هو مضمون النص في القرارات الأصلية فإن تطبيقه لا بد أن يكون قابلا للتتبع والمراجعة عاملا بعامل وصندوقا بصندوق وفترة زمنية بفترة أخرى.
فلا يكفي أن تنص قرارات النقل على انتقال الالتزامات وإنما يجب أن تكون هناك كشوف تثبت تنفيذها وإيصالات أو قيود مالية تثبت تحويل الاشتراكات ومطابقات حسابية تؤكد وصول الأموال إلى الجهات المستحقة.
والسؤال هنا ليس من باب التشكيك في جهة بعينها وإنما من باب استجلاء الحقيقة هل جرى تنفيذ الالتزام كاملا؟ وهل توجد فروق بين ما خُصم من العاملين وما تم تحويله فعليًا إلى الصناديق؟
حصة العامل وحصة صاحب العمل أين ذهبت كل منهما في الدفاتر؟
يقول أصحاب المطالبات إن العاملين كانوا يسددون اشتراكاتهم وفقا للقواعد المقررة وإن الجهة التي انتقلوا إليها كان عليها أن تتحمل الحصة التي كانت الهيئة تتحملها قبل النقل.
وهذا يضعنا أمام مسارين ماليين لا بد من فحصهما بصورة منفصلة
المسار الأول حصة العامل
وهي المبالغ التي تُستقطع من أجره وفقا لقواعد الاشتراك ويجب أن تظهر بوضوح في مفردات المرتب وكشوف الاستقطاع ثم في سجلات التحويل إلى الصندوق.
المسار الثاني حصة صاحب العمل.
وهي الالتزامات المالية التي كانت تتحملها الهيئة ثم انتقلت – بحسب قرارات النقل – إلى الجهات التي آلت إليها مسؤولية العاملين.
وهنا يبرز السؤال الأهم هل التزمت كل جهة بتحويل حصتها عن العاملين الذين انتقلوا إليها؟ وهل تمت مطابقة هذه التحويلات مع كشوف الاشتراكات المعتمدة لدى الصناديق؟
إن وجود استقطاع في مفردات المرتب لا يثبت وحده وصول المبلغ إلى الصندوق كما أن وجود التزام على جهة العمل لا يثبت وحده أنه نُفذ بالفعل. وبين الاستقطاع والتحويل والتسوية النهائية توجد مستندات لا بد أن تُراجع.
من يوليو 2007 إلى يوليو 2011 أربع سنوات من انتقال المسؤوليات
تشير الإفادات المقدمة من العاملين إلى أن نقلهم جرى على خمس مراحل بدأت في الأول من يوليو 2007 وانتهت المرحلة الخامسة في الأول من يوليو 2011.
وخلال هذه السنوات انتقل العاملون إلى الشركة المصرية لنقل الكهرباء وعدد من شركات توزيع الكهرباء، فضلًا عن انتقال أصول ومقار ومعدات ومرافق إلى الجهات المختلفة.
لكن انتقال العامل من جهة إلى أخرى لا ينبغي أن يقطع الصلة بين اشتراكاته التأمينية وبين الصندوق الذي كان مشمولًا به.
ومن ثم فإن المطلوب هو إعداد كشف زمني يوضح بالنسبة لكل مرحلة
عدد العاملين الذين انتقلوا إلى كل شركة.
الصندوق أو الوثيقة التأمينية التي ظل العامل مشتركًا فيها.
قيمة حصة العامل المستقطعة من أجره.
قيمة حصة صاحب العمل المستحقة عن الفترة ذاتها.
المبالغ التي جرى تحويلها بالفعل وتواريخ التحويل.
أي فروق أو متأخرات ظهرت عند التسوية.
الجهة التي تحملت مسؤولية معالجة هذه الفروق.
إن هذه البيانات ليست رفاهية إدارية وإنما هي أساس التحقق من سلامة تنفيذ قرارات النقل ومن أن حقوق العاملين التأمينية لم تتأثر بتغيير جهة العمل.
نسبة الـ5% لا بد من مطابقة الاستقطاع بالتحويل
سبق أن أثار العاملون مسألة نسبة الـ5% التي يقولون إنها كانت تُستقطع من أجورهم، ويطالبون بمراجعة أساس احتسابها والفترات التي استمر فيها الخصم، ومدى ارتباطها بالأجر الشامل وما طرأ عليه من زيادات.
ونحن هنا لا نعيد السؤال السابق بصيغته ذاتها بل نذهب إلى خطوة تالية لا تقل أهمية هل تطابقت المبالغ التي استُقطعت من العاملين مع المبالغ التي وصلت بالفعل إلى الصناديق؟
فإذا أظهرت كشوف المرتبات استقطاع مبالغ محددة فمن حق أصحاب المطالبات معرفة أين قُيدت، ومتى حُولت، وكيف ظهرت في حسابات الصندوق.
وإذا كانت هناك مبالغ لم تُحوّل أو سُويت بطريقة مختلفة فما السند المحاسبي والقانوني لذلك؟ ومن الجهة التي تولت التسوية؟
ولا يصح افتراض وجود عجز أو أموال مفقودة قبل مراجعة الدفاتر كما لا يصح إغلاق السؤال دون تقديم مستندات التحويل والمطابقة.
حتى تاريخ انتهاء الخدمة هل استمرت الالتزامات؟
تزداد أهمية هذا التحقيق عند النظر إلى العاملين الذين ظلوا في الخدمة سنوات طويلة بعد انتقالهم من الهيئة ثم أُحيلوا إلى المعاش في تواريخ مختلفة.
فإذا كانت قرارات النقل قد رتبت استمرار التزامات الاشتراك على العامل والجهة صاحبة العمل فإن السؤال يصبح هل استمر سداد الاشتراكات وفقًا للقواعد المقررة طوال مدة بقاء العامل في الخدمة؟ وهل توقفت أي حصة في تاريخ معين؟ وإذا حدث ذلك، فما القرار الذي استندت إليه الجهة المسؤولة؟
كما ينبغي التمييز بين الاشتراكات التأمينية المستحقة وبين المزايا التي قد تقررها وثيقة تأمين خاصة فلكل منهما قواعده وحساباته ولا يجوز الخلط بينهما أو اعتبار إثبات أحدهما دليلا تلقائيا على استحقاق الآخر.
لكن مراجعة الاشتراكات تظل خطوة أساسية لفهم المركز التأميني لكل عامل وتحديد ما إذا كانت هناك مبالغ سُددت أو تأخرت أو تحتاج إلى تسوية.
خمسة مستندات لا بد أن تظهر على مائدة الفحص
لكي يتحول هذا الملف من تبادل للمطالبات إلى مراجعة حاسمة فإننا نطالب وزارة الكهرباء والشركة القابضة وشركات النقل والتوزيع المعنية بإتاحة المستندات التالية للجهات الرقابية المختصة
قرارات النقل الأصلية بكامل موادها وملاحقها وبصفة خاصة النصوص التي تحدد مسؤولية العامل وجهة العمل عن الاشتراكات التأمينية.
كشوف الاستقطاعات الشهرية من أجور العاملين المنقولين منذ تاريخ انتقال كل مجموعة مع بيان النسب وأسس الاحتساب.
كشوف حصة صاحب العمل التي كانت الهيئة تتحملها، وما آل منها إلى الشركة القابضة والشركات التابعة.
إيصالات وأوامر التحويل والمطابقات البنكية والمحاسبية التي تثبت وصول الاشتراكات إلى الصناديق المعنية.
محاضر التسوية النهائية بين الهيئة والشركة القابضة والشركات التابعة والصناديق مع بيان أي فروق أو مديونيات أو مبالغ تمت تسويتها.
ونطالب كذلك بمراجعة عينة ممثلة من ملفات العاملين في كل مرحلة من مراحل النقل ثم توسيع الفحص إذا ظهرت فروق أو مخالفات في المطابقة.
إلى وزير الكهرباء ورئيس الشركة القابضة نريد كشفا حسابيا لا إجابة إنشائية
السيد الدكتور المهندس محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة
السيد الدكتور المهندس أحمد مهينة رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لكهرباء مصر وفقا للبيانات الواردة في المكاتبات المقدمة إلينا..
إن السؤال الذي نضعه أمام سيادتكما يتجاوز معرفة ما إذا كانت الاشتراكات قد خُصمت من العاملين لأن الخصم خطوة والتحويل خطوة أخرى والمطابقة النهائية هي الفيصل.
نريد معرفة الجهة التي تحملت مسؤولية حصة صاحب العمل بعد نقل العاملين وما إذا كانت جميع الشركات قد نفذت الالتزامات التي آلت إليها وهل توجد كشوف معتمدة تؤكد تحويل اشتراكات العاملين كاملة إلى الصناديق المختصة.
كما نطالب بتحديد الجهة التي يمكن للعامل السابق الرجوع إليها للحصول على بيان تفصيلي باشتراكاته دون أن يُحال من إدارة إلى أخرى أو يظل مطالبا بإثبات ما يفترض أن يكون ثابتا في سجلات جهة العمل والصندوق.
إننا لا نفترض وجود مخالفة ولا ننسب مسؤولية إلى شخص أو جهة دون مستند لكننا نؤكد أن الحسابات العامة وحقوق العاملين لا تُحسم بالتطمينات وإنما بالمستندات والأرقام.
الاشتراك الذي خُصم لا بد أن يكون له مسار معلوم
لقد انتقل العاملون من هيئة كهربة الريف إلى شركات الكهرباء وانتقلت معهم مسؤوليات والتزامات نصت عليها قرارات النقل وفقًا لما يورده أصحاب المطالبات.
لكن السؤال الذي لا يزال يحتاج إلى إجابة موثقة هو هل انتقلت الالتزامات على الورق فقط أم نُفذت ماليا ومحاسبيا حتى آخر يوم في خدمة كل عامل؟
إن كشفا واحدا متكاملا يربط بين مفردات المرتب والاستقطاع وحصة صاحب العمل والتحويل إلى الصندوق يمكن أن يضع حدا لكثير من الجدل وأن يكشف بوضوح ما إذا كانت الاشتراكات قد سُددت كاملة أو أن هناك فروقا تستوجب التسوية.
فالعامل لا ينبغي أن يتحمل نتيجة أي خلل في انتقال المسؤوليات بين الجهات كما لا يجوز أن تُحمّل جهة ما التزاما لم يثبت قانونا أو محاسبيا.
نحن نطالب بمراجعة عادلة وشفافة تحفظ أموال الصناديق وتصون حقوق العاملين وتحدد المسؤولية وفق المستندات.
فالاشتراك ليس رقما عابرا في مفردات المرتب إنه حق له بداية في الاستقطاع ومسار في التحويل ونهاية يجب أن تظهر في حساب الصندوق.
وتستمر التحقيقات لأن ملف كهربة الريف لم يُفتح لإثارة الأسئلة فحسب وإنما للوصول إلى إجابات موثقة وتسويات عادلة وحقوق لا تضيع بين جهة وأخرى.







