هناك حكايات لا تقرؤها فتمضي وإنما تقرؤها فتتوقف طويلا وتعيد النظر في وجوه الناس وفي الأبواب المغلقة وفي الشوارع التي نعبرها كل يوم وفي أنفسنا قبل أن نحاكم الآخرين.
ومن بين هذه الحكايات ما جرى للدكتورة هدى التي تناول العديد مأساتها بكلمات موجعة وضعتنا أمام مشهد لا ينبغي أن يمر مرور الكرام سيدة تغيب عن الدنيا وفق ما ورد في الروايات المتداولة ويبقى غيابها غير مكتشف قرابة ثلاث سنوات حتى لا يبقى من جسدها سوى هيكل عظمي
ثلاث سنوات
تأملوا الرقم جيدا ثلاثة أعوام مرت بأيامها ولياليها بأعيادها ومناسباتها بأفراحها وأحزانها واتراحها والعالم من حولها يمضي في حياته المعتادة بينما هناك إنسانة خلف باب مغلق لم يعد في وسعها أن تطرق باب أحد ولا أن تطلب نجدة ولا أن تقول أنا هنا هل من أحد يتذكرني؟
يا الله أي قسوة هذه التي يمكن أن يصل إليها الإهمال الإنساني؟ وأي مسافة تلك التي اتسعت بين الإنسان والإنسان حتى أصبح الغياب الطويل لا يثير سؤالا والباب المغلق لا يستدعي قلقا والصمت الممتد لا يحرك ضميرا؟
إن مأساة الدكتورة هدى ليست مجرد حكاية موت بل حكاية حياة ينبغي أن نراجعها جميعا.
لا أكتب لأوزع اتهامات ولا لأصدر أحكاما على أشخاص قبل أن نعرف تفاصيل الواقعة ومسؤوليات كل طرف ولا أملك أن أفتش في ضمائر أحد لكنني أكتب لأن هناك سؤالا أكبر من الأشخاص وأخطر من الواقعة
متى أصبحنا نعيش متجاورين دون أن نكون جيرانا؟ ومتى تحولت صلة الرحم من واجب إنساني إلى مناسبة موسمية؟ ومتى أصبح السؤال عن الغائب ترفا والاطمئنان على الضعيف عبئا ومد يد العون لمن يحتاجها عملا استثنائيًا يستحق التصفيق؟
يا سادة نحن لا نحتاج إلى مجتمع يعرف كيف يتحدث عن الرحمة بقدر ما نحتاج إلى مجتمع يمارس الرحمة.
ليس التدين أن نملأ الدنيا حديثا عن الفضيلة ثم لا ننتبه إلى إنسان يتألم على بعد خطوات منا.
ليس الإيمان أن نرفع أيدينا بالدعاء ثم نغلق أبوابنا في وجه محتاج ليس البر أن نتذكر أمواتنا في المقابر بينما ننسى أحياءنا خلف الجدران وليس من المعقول أن نبحث عن الأجر في أبعد الأماكن ونغفل عن باب قريب ربما كان خلفه إنسان لا يملك حتى القدرة على طلب المساعدة.
الجيرة ليست عنوانا في بطاقة الرقم القومي ولا مجرد شقة تحمل رقما بجوار شقتك. الجيرة أمانة وحق ومودة وسؤال واطمئنان.
وصلة الرحم ليست مكالمة في العيد ولا صورة عائلية تجمع الجميع أمام عدسة هاتف وإنما حضور في الشدة قبل الرخاء ووفاء في الغياب قبل الحضور وسؤال لا ينتظر مناسبة ولا مصلحة.
وهنا أريد أن أطرح قضية أكبر من الدكتورة هدى قضية كل هدى أخرى قد تكون بيننا الآن!
نعم ابحثوا بالله عليكم عن هدى أخرى!
ابحثوا عن سيدة تعيش بمفردها ولا يطرق بابها أحد إلا نادرا ابحثوا عن رجل مسن انقطع أبناؤه عن زيارته وأصبح يومه نسخة من يوم سبقه وعن أرملة تخفي احتياجها خلف كبريائها ولا تجد من يسألها إن كان لديها ما يكفيها أم لا وعن مريض لا يستطيع الحركة وعن إنسان من ذوي الإعاقة لا يملك من يعينه وعن شاب انقطعت به السبل وعن إنسان يمر بأزمة نفسية أو اجتماعية ولا يجد أذنا تسمعه.
ابحثوا عن هؤلاء في العمارات وفي القرى وفي النجوع وفي الأحياء الشعبية والراقية وفي كل مكان نتصور أن الحياة فيه تسير بصورة طبيعية.
فليس كل من صمت بخير وليس كل من أغلق بابه مستغنيا وليس كل من لم يطلب المساعدة لا يحتاج إليها.
هناك أناس يمنعهم الحياء من الشكوى وتحول كرامتهم دون مد أيديهم ويؤثرون الصمت على أن يشعر أحد بأنهم أصبحوا عبئا عليه وهؤلاء تحديدا هم أولى الناس بأن نبحث عنهم.
وأقترح أن تتحول هذه المأساة إلى مبادرة مجتمعية حقيقية لا تكتفي بالتعاطف ولا تنتهي بانتهاء التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي مبادرة عنوانها «لا تتركوا بابا مغلقا خلفه إنسان وحيد» تبدأ من اتحاد شاغلي كل عقار ومن لجان الجيرة ومن الجمعيات الأهلية ومن المؤسسات الدينية ومن مراكز الشباب ومن المدارس ومن مؤسسات المجتمع المدني بالتنسيق مع الجهات المختصة لوضع آلية إنسانية تحفظ خصوصية الناس وكرامتهم وتتيح الاطمئنان الدوري على كبار السن ومن يعيشون بمفردهم ومن يحتاجون إلى رعاية أو مساندة.
لا نريد اقتحام خصوصيات أحد ولا تحويل حياة الناس إلى سجلات للمراقبة وإنما نريد ثقافة إنسانية بسيطة أن نعرف أن بيننا من يحتاج إلى سؤال وأن نتحرك عند انقطاع أخباره على نحو غير معتاد وأن تكون هناك استجابة سريعة عندما تدعو الحاجة.
طرقة باب قد تنقذ حياة ومكالمة قد ترد الروح إلى قلب أنهكه الشعور بالوحدة وسؤال صادق قد يكون أهم عند صاحبه من هدايا الدنيا كلها.
ولعلنا نحتاج أيضا إلى أن تتبنى المؤسسات المعنية برامج لاكتشاف حالات العزلة الاجتماعية وتقديم الدعم لمن لا يجدون من يرعاهم فهذه ليست مسؤولية أسرة وحدها ولا جار وحده بل مسؤولية إنسانية ومجتمعية تتكامل فيها الأدوار.
وأقول لكل من يقرأ كلماتى هذه لا تنتظروا جنازة لتعرفوا قيمة إنسان ولا تنتظروا خبر وفاة لتسألوا عن غائب ولا تجعلوا المقابر المكان الوحيد الذي تتذكرون فيه أصحابكم وأحبابكم.
اتصلوا بمن انقطعتم عنهم صالحوا من خاصمتم اسألوا عن أقاربكم تفقدوا جيرانكم تصالحوا مع الحياة قبل أن يفاجئكم الموت بحقيقة أن كل ما جمعناه سيبقى هنا وأننا جميعا راحلون.
إن الإنسان لا يحتاج إلى ثروة كي يكون رحيما ولا إلى منصب كي يجبر خاطرا ولا إلى نفوذ كي يطرق بابا ولا إلى شهادة علمية كي يفهم أن الوحدة قد تكون أشد إيلاما من المرض.
وربما كانت أعظم شهادة يحصل عليها الإنسان في حياته ليست تلك التي تعلق على جدار مكتبه وإنما تلك التي يتركها في قلوب الذين أحسن إليهم ووقف بجوارهم ولم يتركهم فريسة للوحدة والخذلان.
أما الدكتورة هدى فرحمها الله رحمة واسعة وغفر لها وجعل ما عانته في ميزان رحمة أوسع من قسوة الدنيا.
لا نعرف ما دار بينها وبين ربها ولا يحق لنا أن نتحدث بلسانها أو نجزم بما اشتكت منه فذلك إلى الله وحده لكنه سبحانه يعلم حالها ويعلم ما خفي علينا ولا يضيع عنده حق ولا تغيب عنه مظلمة.
ويبقى الدرس الذي تركته لنا هذه الفاجعة أكبر من أن نختصره في منشور أو تعليق
لقد ماتت د. هدى فلا تدعوا هدى أخرى تمووووت في صمت لا تدعوا إنسانا يعيش بيننا وكأنه غير موجود ولا تجعلوا الغياب الطويل أمرا عاديا ولا تسمحوا بأن تتحول العمارات إلى جزر منعزلة يسكن كل إنسان فيها عالمه الخاص ولا يعرف أن خلف الجدار إنسانا قد يحتاج إليه.
رسالة إلى كل رئيس اتحاد شاغلين وكل مسؤول جمعية أهلية وكل إمام مسجد وكل قسيس وكل طبيب وكل معلم وكل مسؤول محلي وكل صاحب ضمير حي ابدأوا بمن حولكم من باب بيتكم من شارعكم من قريتكم من حارتكم من زقتكم فربما كان بين أيديكم الآن إنسان يحتاج إلى ما تملكونه من اهتمام أكثر مما يحتاج إلى ما تملكونه من مال لا تنتظروا أن يتحول الإنسان إلى ذكرى حتى تتذكروه ولا تنتظروا أن يصبح هيكلا عظميا حتى تسألوا أين كان؟ ابحثوا عن هدى أخرى فربما كانت الآن خلف باب مغلق تنتظر طرقة باب، أو مكالمة أو يدا تمتد إليها أو قلبا يقول لها نحن هنا أنت لست وحدك.
فالرحمة ليست أن نبكي من رحلوا وإنما أن نحسن إلى من لا يزالون بيننا قبل أن يصبحوا هم أيضا حكاية موجعة يكتبها أحدنا بعد فوات الأوان…








